إيلاف من الرباط: لم يكن ما جرى في المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار المغربي ( غالبية حكومية )بمدينة الجديدة ا جنوب الدار البيضاء)، الذي عقد السبت الماضي ، مجرد انتقال تنظيمي في قيادة حزب سياسي، بل كان لحظة إعادة ترتيب دقيقة داخل بنية السلطة الحزبية، وبدرجة أبعد داخل علاقتها بالدولة وبالاستحقاقات القادمة.
اختيار محمد شوكي رئيسًا للحزب، دون منافسة ودون مفاجآت، يعكس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة، ورغبة واضحة في تفادي أي اهتزاز داخلي أو انزلاق غير محسوب في لحظة سياسية دقيقة.
تزكية شوكي كمرشح وحيد لم تكن تعبيرًا عن فراغ أو ضعف داخلي، بل عن قرار سياسي مركزي يرى أن المرحلة المقبلة لا تحتاج زعامة صدامية أو خطابًا تعبويًا عالي النبرة، بقدر ما تحتاج شخصية قادرة على إدارة التوازنات، وضبط الإيقاع، والتعامل بهدوء مع ملفات ثقيلة تتجاوز منطق المنافسة الحزبية التقليدية.
يبقى شوكي، القادم من عالم الأرقام والتدبير، يمثل هذا النموذج الذي يُفضَّل حين تصبح السياسة امتدادًا للإدارة لا ساحة للمواجهة.
شوكي هو خامس رئيس لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي أسسه عام 1978 احمد عصمان الوزير الاول الأسبق ، وصهر الملك الحسن الثاني . الذي خلفه مصطفى المنصوري ، الذي جاء بعده صلاح الدين مزوار ، فعزيز أخنوش .
إن خروج أخنوش من الواجهة لا يمكن قراءته كاعتزال أو تراجع، بل اعادة تموقع محسوبة. فخلال السنوات الماضية، تحوّل أخنوش إلى واجهة مباشرة لكل التوترات الاجتماعية والاقتصادية، وتحمل كلفة سياسية عالية في سياق عالمي ومحلي معقد. الاستمرار في الواجهة كان سيجعل الحزب يدخل معركة 2026 محمّلاً بأعباء إضافية. بهذا المعنى، جاء الانتقال في القيادة كتفكيك هادئ لتراكمات سياسية، لا كقطع مع المرحلة السابقة.
في المقابل، يمنح هذا الانتقال محمد شوكي وضعية مختلفة تمامًا. فهو يتسلم حزبًا منضبطًا، وماكينة تنظيمية جاهزة، وهياكل جهوية وإقليمية مُحصَّنة بقرار التمديد لما بعد 2026، ما يعفي القيادة الجديدة من استنزاف مبكر في صراعات داخلية، ويتيح لها التركيز على المهمة الأساسية: الحفاظ على التماسك وضمان الجاهزية الانتخابية. هذا القرار، الذي مرّ بهدوء، يكشف حجم الرهان على الاستقرار كقيمة سياسية في حد ذاتها.
الدور المنتظر من شوكي لا يقوم على إعادة تعريف الحزب أو تغيير خطه السياسي، بل على تأمين استمراريته في سياق يتطلب أقصى درجات البراغماتية. فالدولة منخرطة في ملفات استراتيجية كبرى، من قضية الصحراء إلى الاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030، مرورًا بالاستثمارات والطاقة والبنيات التحتية. في مثل هذا السياق، تُفضَّل القيادات القادرة على العمل في الظل، وضبط العلاقة مع المؤسسات، وتفادي أي خطاب قد يُربك الأسواق أو يفتح جبهات غير ضرورية.
المشهد السياسي العام يعزز هذا الخيار. أحزاب كبرى تعيش مخاضات داخلية، ومعارضة مشتتة تفتقد المبادرة، ما يجعل حزب الأحرار في وضعية مريحة نسبيًا، ينافس فيها نفسه أكثر مما ينافس خصومه. هنا تحديدًا، يصبح دور محمد شوكي محوريًا: ليس في توسيع النفوذ، بل في حمايته من التآكل، وليس في صناعة موجة سياسية جديدة، بل في ضمان عبور آمن نحو 2026 بأقل قدر من الضجيج.
بهذا المعنى، لا يمكن اعتبار تنصيب شوكي مجرد تغيير واجهة، ولا يمكن اختزاله في منطق الخلافة التنظيمية. نحن أمام اختيار لوظيفة سياسية محددة: إدارة مرحلة انتقالية هادئة، تخفيف الحمولة السياسية عن الحزب، وتقديم صورة قيادة أقل استفزازًا وأكثر قابلية للتعامل مع منطق الدولة والمرحلة. في السياسة، أحيانًا يكون الدور الأهم هو منع الأخطاء لا صناعة الأحداث، ويبدو أن محمد شوكي جاء تحديدًا لهذا الدور.


