يبحث مسؤولون محليون في الغوطة الشرقية قرب دمشق الأحد اتفاقًا لإجلاء مدنيين ومقاتلين من أحد أجزاء هذه المنطقة المحاصرة بهدف إيقاف الحملة العسكرية المستمرة للجيش السوري، وفق ما أفاد مصدر مفاوض والمرصد السوري لحقوق الإنسان.
إيلاف: يأتي ذلك رغم نفي كل من "جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن"، أبرز فصائل الغوطة الشرقية، التفاوض مع الحكومة السورية وإصرارهما على رفض سياسة الإجلاء.
إعادة تمركز
التقت لجنة من مسؤولين محليين في مدينة حمورية السبت ممثلين عن الحكومة السورية للتفاوض، وفق ما قال عضو في اللجنة لوكالة فرانس برس مفضلًا عدم ذكر اسمه.
وأوضح: "ناقشت اللجنة عرضًا للمصالحة يتضمن خروج المدنيين والمقاتلين الراغبين من حمورية إلى مناطق أخرى تسيطر عليها الفصائل المعارضة" بينها إدلب (شمال غرب) أو درعا جنوبًا. وأشار إلى أن "اللجنة ستعقد اجتماعًا الأحد لاتخاذ القرار. وفي حال لم يتم التوافق، ستستكمل العملية العسكرية" لتشمل حمورية.
خلال سنوات النزاع، شهدت مناطق سورية عدة، بينها مدن وبلدات قرب دمشق، عمليات إجلاء لآلاف المقاتلين المعارضين والمدنيين، بموجب اتفاقات مع القوات الحكومة وإثر حملات عسكرية عنيفة.
شكلت محافظة إدلب، التي تسيطر على الجزء الأكبر منها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقًا) مع تواجد محدود للفصائل، وجهة أساسية لهؤلاء.
استمرار التفاوض
وأوضح مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن لوكالة فرانس برس أن "المفاوضات مستمرة حول بلدات حمورية وجسرين وسقبا"، مشيرًا إلى أن "القرار قد يُتخذ في أي لحظة".
نفى فصيل فيلق الرحمن، الذي يسيطر على المدن الثلاث، مشاركته في أي مفاوضات. وكان كرر رفضه لأي عمليات إجلاء من الغوطة الشرقية. وكتب المتحدث باسمه وائل علوان على حسابه على موقع تويتر: "لا يوجد أي تكليف يسمح لأحد بالتفاوض عن ثوار الغوطة ومؤسساتها والجيش الحر فيها".
وكان قائد فيلق الرحمن عبد الناصر شمير قال في تسجيل صوتي قبل يومين: "لن أتهاون مع أي أحد يريد أن يمد يده إلى النظام".
إلى جانب المفاوضات المحلية، خرج 13 مقاتلًا الجمعة من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) كانوا معتقلين لدى "جيش الإسلام" من الغوطة الشرقية إثر مشاورات بين هذا الفصيل والأمم المتحدة.
إخراج النصرة فقط
وتتواصل، وفق جيش الإسلام، المفاوضات عبر الأمم المتحدة لإجلاء باقي عناصر هيئة تحرير الشام. وقال رئيس المكتب السياسي لجيش الإسلام ياسر دلوان لوكالة فرانس برس: "ننتظر من فيلق الرحمن أن يتابع إخراج الباقي من طرفه"، مشيرًا إلى أن "المفاوضات عبر الأمم المتحدة، وهي فقط لإخراج النصرة".
وكانت الفصائل المعارضة في الغوطة الشرقية أعلنت إلتزامها بإجلاء مقاتلي هيئة تحرير الشام بعد قرار لمجلس الأمن الدولي يطالب بوقف للأعمال الحربية، مستثنيًا تنظيمي داعش والقاعدة وهيئة تحرير الشام وكل المجموعات والأشخاص المرتبطين بها. وتصنف الحكومة السورية كل الفصائل التي تقاتلها بـ"الإرهابية".
مع دخول الحملة العسكرية ضد الغوطة الشرقية أسبوعها الرابع، تهز المعارك العنيفة بين الجيش السوري والفصائل المعارضة أرجاء هذه المنطقة التي باتت مجزأة، وتنتشر تحت أنقاض مبانيها عشرات الجثث لضحايا سقطوا في القصف. وعزل الجيش السوري السبت دوما، أبرز مدن الغوطة الشرقية، بعدما تمكن إثر تقدم كبير من تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أجزاء: دوما ومحيطها شمالًا، حرستا غربًا، وبقية المدن والبلدات التي تمتد من الوسط إلى الجنوب.
هذا وتدور في محيط كل من هذه المناطق اشتباكات عنيفة بين قوات النظام والفصائل المعارضة يرافقها قصف عنيف. وأفاد المرصد السوري أن "المعارك تتركز في محيط بلدة مديرا (غرب) التي تتوسط الأجزاء الثلاثة، حيث تواجه قوات النظام مقاومة شرسة من الفصائل". وضيق التقدم الخناق أكثر على الفصائل المعارضة كما على 400 ألف مدني محاصرين منذ العام 2013. ووثق المرصد السوري الأحد مقتل ثلاثة مدنيين في قصف جوي على مدينة عربين.
لا تزال جثث 35 مدنيًا في مسرابا و33 آخرين في حمورية وسقبا تحت أنقاض الأبنية المدمرة، وفق ما نقل المرصد عن عائلات وجيران الضحايا. وارتفعت بذلك حصيلة القتلى جراء القصف منذ بدء الحملة العسكرية في 18 فبراير إلى نحو 1102 مدني، بينهم 227 طفلاً.
مدينة خالية
في مدينة حمورية، شاهد مراسل فرانس برس شاباً يبحث بين الدمار عن عائلته. وقال إن والده ووالدته واشقاءه الثلاثة قتلوا ولا تزال جثثهم تحت الأنقاض. وأفاد المراسل عن رائحة كريهة في شوارع حمورية ناتجة من جثث لم يتم انتشالها منذ أيام. وقال حسان (30 عاماً) من الخوذ البيضاء (الدفاع المدني في مناطق المعارضة) لفرانس برس إن عمليات الإغاثة التي حصلت حتى الآن جرت بجهد فردي او بمعدات خفيفة.
أضاف "هناك حالياً أكثر من 20 عائلة تحت الأنقاض ونحن بحاجة لآليات ثقيلة لانتشالهم، لكن ليس بمقدورنا استخدامها حتى لا يقصفها النظام. ليس بامكاننا اسعاف أي احد من تحت الانقاض".
وفي مدينا دوما، أفاد مراسل فرنس برس عن جثث تتجمع في المشرحة بسبب صعوبة دفنها، إذ بات من غير الممكن الوصول إلى المقبرة التي تقع عند الأطراف نتيجة القصف. وتمكنت قوات النظام السبت من عزل دوما بعد السيطرة على بلدة مسرابا إلى الجنوب منها إثر حملة قصف عنيف مهدت لعملية اقتحام في مواجهة فصيل "جيش الإسلام".
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن الجيش وبعد سيطرته على مسرابا أخرج "عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال" من داخل أحد الأقبية، وتم نقلهم إلى "أحد مراكز الإقامة الموقتة". وتحدث مدير المرصد رامي عبد الرحمن عن "إخراج قوات النظام بين 75 ومئة شخص من مسرابا، التي باتت خالية من السكان ويعمها دمار كبير جداً".
على جبهة أخرى في سوريا، تدور اشتباكات قرب عفرين ذات الغالبية الكردية غداة وصول القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها إلى مشارف المدينة. وتحدث مسؤولون عن "وضع مأساوي" للمدنيين في المدينة التي تقترب القوات التركية من حصارها إثر هجوم بدأته في 20 يناير.


