: آخر تحديث
أسطول سيقوم بمسح قاع البحر

الخيال العلمي صار واقعاً: الروبوتات تقود سفناً عن بعد

17
19
15

يبدو وكأنّه خيال علمي؛ سفن تُبحر في المحيطات دون أن يكون على متنها أحد، هذا التصور آتٍ وفي وقت أقرب مما تعتقد.

يمكنك أن تلمح في أحد المضائق البحرية النرويجية اختبار سفينة ضخمة بلون أخضر ليموني، وبمجرد النظرة الأول، يبدو وكأنّها كأيّ سفينة أخرى، ولكنّ عند التدقيق، سترى فجأة جميع التجهيزات التكنولوجية، من كاميرات، وميكروفونات، ورادارات، ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وجميع وسائل الاتصال عبر الأقمار الصناعية.

يقول كولين فيلد، رئيس أنظمة التحكم عن بعد في شركة أوشن إنفينيتي الأمريكية البريطانية: "لقد أضفنا الكثير من المعدّات وقمنا بتصميمها خصيصاً لتكون "روبوتية".

تُعدُّ السفينة جزءاً من الأسطول الجديد التابع لشركة أوشن إنفينيتي، وهو أسطول يتكون من 23 سفينة، سيقوم بمسح قاع البحر لمشغلي المحطات البحرية لطاقة الرياح والتحقق من البنية التحتية تحت الماء لصناعات النفط والغاز.

ومن المثير للدهشة بالنسبة لسفينة يبلغ طولها 78 متراً أن هناك 16 شخصاً فقط على متنها، بينما تحتاج السفينة التقليدية التي تقوم بذات العمل إلى طاقم مكوّن من 40 أو 50 فرداً، وتعتقد الشركة -أوشن إنفينيتي- أنَّ بإمكانها تقليل العدد بشكل أكبر، وذلك لأنّ العديد من الوظائف يُمكن القيام بها على بُعد مئات الأميال.

إنَّ الدخول إلى مركز العمليات عن بعد، التابع للشركة في ساوثامبتون يشبه السير في موقع تصوير فيلم خيالي. الغرفة ذات الإضاءة الخافتة واسعة ومليئة بـ 20 "لوحات جسرية"، كُل منها مزودة بأدوات تحكّم وشاشات تعمل باللمس شبيهة تلك الألعاب.

يُشاهِد المُشغِّلون الذين يجلسون على كراسيهم المرتفعة مجموعة من الشاشات تعرض بثاً مباشراً من كاميرات السفينة والعديد من أجهزة الاستشعار.

يتمثل الاختبار الرئيس لطريقة العمل الجديدة هذه في إصدار أمر لروبوت تحت الماء - أو مركبة يتم تشغيلها عن بعد، بالنزول من سطح السفينة لمسح قاع البحر.

تُعبّر المتدربة على قيادة الروبوتات تحت الماء من مركز التحكم عن بعد، ماريان ميزا شافيرا، عن دهشتها من "عملية الأتمتة لكلّ شيء" وتقول "بعض الأحيان، يكون الأمر أسهل هنا منه في البيئة البحرية، لأن لديك الكثير من الكاميرات التي توفر تتبعاً أكثر تفصيلاً".

إنَّ الاستقلاليّة والروبوتات والتشغيل عن بُعد، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، من شأنها أن تؤثر على جميع قطاعات النقل، ولن يكون البحري منها بعيداً حيث إنّ التجارب جارية عليها في جميع أنحاء العالم.

في النرويج، على سبيل المثال، هناك سفينة حاويات كهربائية بطول 80 متراً تُبحر ذهاباً وإياباً بين مصنع للأسمدة وميناء محلي، بينما توجد في بلجيكا واليابان عبّارات تتنقل لوحدها بين الوجهات، حيث ترسو في كل موقع، وكذلك في الصين أيضاً، تتنقل سفن الحاويات الكبيرة بين المدن الساحلية.

المزايا تتضح بوجود عدد أقل من الأشخاص على متنها، يُمكن أن تصبح السفن أصغر حجماً، مما يعني أنَّها تتطلَّب وقوداً أقل ولها بصمة كربونية أقل بكثير.

يبحث رودي نيجينبورن في مجال الشحن في جامعة دلفت للتكنولوجيا، ويقول إن الأنظمة عالية التقنية اللازمة لاستبدال الطاقم بالكامل تتطور بسرعة ولكن لا يزال أمامها طريق طويل لتقطعه.

وقال لبي بي سي: "كان لدينا طيارون آليون يسمحون للسفن باتباع المسار بنفسها، وهذا ليس بالتحدي الكبير بل التحدي هو مع حركة المرور الأخرى أو حين تكون هنالك مواقف غير متوقعة أو ظروف جوية سيئة، لكن في النهاية، سيؤدي هذا إلى عملية نقل أكثر أماناً وكفاءة واستدامة عبر المياه، أنا متأكد من ذلك".

يُسمح بالفعل لبعض السفن الصغيرة بالعمل دون وجود أي شخص على متنها على الإطلاق، وتقوم بتصميم مثل هذا القوارب الشركة البريطانية سي كيت إنترناشونال.

تم إرسال إحداها مؤخراً إلى تونغا لرسم خارطة للبركان الذي لا يزال نشطاً تحت الماء والذي انفجر في عام 2022، وهي مُهمّة تعتبر خطيرة جداً بحيث لا يمكن إشراك العنصر البشري فيها.

لقد تابعنا قارباً (طوله 12 متراً)، خرج حديثاً من المصنع، أثناء إبحاره من ميناء بليموث لتفقد حطام الحرب العالمية الثانية، تم بناء السفينة ذات اللون الأحمر الساطع والتي تسمى "فاكيتا" لصالح شركة البحث الهولندية "فوغرو".

يظهر بمفرده وهو ينساب عبر الأمواج، يتم التحكم فيه بالكامل من قبل طاقم مكتبي يبعد 475 ميلاً في أبردين.

توجّه أوامر القبطان دميتري داديسين، من خلال الأقمار الصناعية، السفينة فاكيتا، بسلاسة من اتجاه إلى آخر، كما يتم إرسال غواصة بدون طيار لاستكشاف الدمار في القاع، في الوقت نفسه، تُقدِّم الكاميرات رؤية بزاوية 360 درجة للمياه المحيطة.

يقول دميتري، الذي قضى سنوات عديدة في البحر"هناك متعة أكبر في العمل بهذه الطريقة، وفي نهاية وقت الدوام، يمكنك العودة إلى منزلك."

تتبادر إلى الأذهان العديد من الأسئلة حول الشحن البحري المُدار عن بعد، تماماً كما هو الحال مع السيارات والقطارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار التي تملأ سمائنا بشكل متزايد.

كيف ستغير هذه التقنيات طبيعة العمل؟ هل يمكنهم إنشاء أنواع جديدة ومختلفة من الوظائف لتحل محل تلك التي قاموا بإلغائها؟ ما مدى أمان الأنظمة التي يتم تطويرها؟ وهل يمكنها صدّ الهجمات السيبرانية والقرصنة؟ والأهم من ذلك، هل هي قوية وموثوقة بما فيه الكفاية؟ ماذا يحدث إذا فقط الاتصال بالقمر الصناعي؟

يقول آشلي سكيت، مدير العمليات في "سي كيت"، حيث يقوم فريقه بوضع اللمسات الأخيرة على قارب آخر بدون طاقم: "كل ما نقوم به يبدأ من منطلق السلامة"، ويضيف"عندما تتواجد هذه السفينة في البحر، لن يكون هنالك أحد على متنها لإصلاح أي خطأ، لذلك يجب أن يكون لديك نظام بديل جاهز للتدخل".

ويتابع سكيت "تم بناء هذه السفينة تقريباً مع وجود نظامين لكل شيء "البتّ الذكي موجود في برنامج يمكّن القارب من التبديل بسلاسة بين الأنظمة."

تتعامل المنظمة البحرية الدولية حالياً مع جميع القضايا المتعلقة بالاستقلالية في البحر، وتأمل في تقديم قواعد طوعية تحدد أفضل الممارسات بحلول عام 2028، بهدف جعلها إلزامية في نهاية المطاف.

في الوضع الحالي، يجب أن يكون للسفن الأكبر حجماً قبطان - أو ربان - معها في البحر.

يقول مدير المنظمة البحريّة الدولية هيكي ديجيم: "سننظر على وجه التحديد في مسؤولية الربان والضباط الذين على متن السفينة ضمن سياق مركز التحكم عن بعد، وهل يُعادل مشغّلو التحكم عن بُعد، ربان السفينة؟ هذا يحتاج إلى مزيد من العمل."

تبنت حكومة المملكة المتحدة بالفعل وجهة نظر حول هذا الموضوع وترغب في تشريع فكرة القيادة عن بعد.

لاحظت فيونا كاين وهي محامية شحن من هاينز وبون أن "هناك صناعة ضخمة قادمة ومن الواضح أن الحكومة لا تريد تفويت الفرصة، بل تريد أن تستثمر الشركات وتدير سفنها من هنا".

بالعودة إلى المضيق البحري النرويجي، من المؤكد أن كابتن أوشن إنفينيتي سيمون ماكولاي يستشرف أفق هذه الصناعة، حيث يقول "يمكنني توقع أن يكون لديك بحار رئيس مسؤول عن سفينة عن بعد أو أكثر، ومن الواضح أن هذا يحتاج إلى تغيير التشريعات إضافة إلى ما نقوم به الآن وهو التركيز على قضيتي المعرفة والسلامة".

ويُضيف"طالما أننا قادرون على إرسال المجسات والأقمار الصناعية إلى الجانب الآخر من النظام الشمسي، فيمكننا القيام بذلك."

المزيد حول هذه القصة


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في اقتصاد