في إدلب، سنة 1946، ولدت حميدة نعنع، في زمن لم تكن فيه السياسة خبرًا يقرأه الناس في الصحف ثم يطوونه، بل كانت شيئًا يدخل البيوت من أبوابها كلها، من أحاديث العائلة إلى مقاعد الجامعة، ومن القصيدة إلى الشارع، ومن فلسطين إلى دمشق.
كبرت حميدة في ذلك المناخ العربي المضطرب، وحملت معها منذ وقت مبكر سؤالًا يبدو أنه رافقها طويلًا: كيف يمكن للمرأة أن تكون شاهدة على زمنها، لا مجرد عابرة فيه؟
ذهبت إلى دمشق، ودرست اللغة العربية في جامعتها، وهناك بدأت الحكاية تتخذ شكلها الأول. كانت اللغة ملعبها، لكن السياسة كانت تقترب منها شيئًا فشيئًا. وفي الصحافة السورية وجدت نافذة أخرى تطل منها على العالم. وتشير مصادر إلى أن طارق عزيز، الذي كان آنذاك رئيس تحرير صحيفة "كفاح العمال الاشتراكي" في دمشق، درّبها على العمل الصحفي.
ثم جاءت سنة 1967. كانت تلك السنة فاصلة في التاريخ العربي كله، ولم تمر بحميدة كما تمر السنوات العادية. ارتبط اسمها بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وانخرطت في النشاط السياسي الفلسطيني، فتحولت فلسطين بالنسبة إليها من قضية تُقرأ في الكتب والصحف إلى تجربة تُعاش وتُرى وتُكتب. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد الحدود بين الشاعرة والصحفية والسياسية واضحة.
كانت تكتب الشعر، لكنها كانت ترى العالم بعين الصحفية. وكانت تعمل في الصحافة، لكنها تحمل معها حساسية الروائية. وحين اقتربت من السياسة، لم تدخلها بوصفها مراقبة من بعيد، بل بوصفها امرأة وجدت نفسها وسط واحدة من أكثر المراحل العربية اضطرابًا.
في سنة 1970 ظهرت شاعرةً مع مجموعتها (أناشيد امرأة لا تعرف الفرح)، وهو عنوان يبدو اليوم كأنه يلخص جانبًا من روح تلك المرحلة: امرأة تكتب عن الفرح من موقع يعرف جيدًا كم كان الفرح العربي مؤجلًا. ثم جاءت بعدها الرواية لتفتح لها طريقًا آخر في الكتابة. كانت الرواية بالنسبة إليها امتدادًا طبيعيًا للصحافة، فالصحفي يجمع الوجوه والأصوات والوقائع، والروائي يمنحها حياة ثانية.
وفي سنة 1979 صدرت روايتها (الوطن في العينين)، ثم جاءت (من يجرؤ على الشوق) عام 1989، لتؤكد حضورها الروائي إلى جانب حضورها الصحفي والسياسي. لكن الطريق لم يبقَ في دمشق.
في سبعينيات القرن العشرين انتقلت إلى الجزائر، وتذكر المصادر أنها نُفيت من سوريا، وهناك اتسعت تجربتها الصحفية، فتولت إدارة مكتب صحيفة "السفير" في شمال أفريقيا.
كما عملت في مجلة (أفريك آزي)، وهي مجلة فرنسية متخصصة في القضايا الأفريقية والآسيوية وشؤون العالم الثالث، وتولت إدارتها في مرحلة من مسيرتها الصحفية، بالتوازي مع نشاطها في صحيفة "السفير" اللبنانية، وتنقلت بين الجزائر وتونس والمغرب، قبل أن تعود إلى باريس.
وكانت باريس محطة مختلفة. هناك عملت في اليونسكو، وفي الوقت نفسه كانت مراسلة لصحيفة "السفير". لكنها لم تجد نفسها في العمل المكتبي طويلًا، فالمرأة التي اعتادت أن ترى العالم من خلال الأخبار والشهادات والحوارات لم يكن من السهل أن تحبسها الجدران الإدارية.
أصبحت تلتقي السياسيين والمفكرين، وتتنقل بين العواصم، وتكتب عن فلسطين ولبنان والجزائر والصراعات العربية والدولية. ومع الوقت أصبحت قريبة من دوائر سياسية وفكرية واسعة، وارتبط اسمها بعلاقات صحفية مع شخصيات عربية ودولية بارزة، من ياسر عرفات إلى فرانسوا ميتران وغيرهما.
وفي سنة 1988 أصدرت (الصبح الدامي في عدن)، ثم نشرت سنة 1989 كتاب (حوارات مع مفكري الغرب)، وهو عنوان يكشف جانبًا آخر من تجربتها: الانتقال من مراقبة الحدث العربي إلى محاورة العقل السياسي والفكري الغربي نفسه. كما أصدرت لاحقًا كتاب (تونس: العقل في زمن العاصفة). غير أن أكثر فصول سيرتها إثارة للجدل كان اقترابها من العراق.
فقد ارتبط اسمها طويلًا بطارق عزيز، الذي كانت قد عرفته منذ بداياتها الصحفية في دمشق، ثم عادت إليه بعد سنوات في كتاب (طارق عزيز: رجل وقضية)، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2000، في كتاب يقع في نحو أربعمئة صفحة، ويقوم على حوار مطول مع الشخصية العراقية ومسيرتها السياسية والفكرية.
وهنا تتداخل السيرة الشخصية مع التاريخ السياسي. فالمرأة التي بدأت شاعرة في دمشق، وعاشت تجربة فلسطين، وتنقلت بين الجزائر وباريس وعواصم عربية وأوروبية، وجدت نفسها لاحقًا في قلب الجدل حول العراق والنظام السابق. ولذلك فإن قراءة حميدة نعنع لا تكتمل من دون النظر إلى مواقفها السياسية والإعلامية باعتبارها جزءًا من سيرتها، لا تفصيلًا هامشيًا فيها.
إنها في النهاية شخصية يصعب وضعها في خانة واحدة، شاعرة بدأت من القصيدة، وصحفية وجدت في الخبر مساحة للحركة، وروائية حولت التجربة إلى شخصيات وحكايات، وامرأة سياسية عبرت من دمشق إلى فلسطين، ومن الجزائر إلى باريس، ومن الصحافة إلى دوائر القرار. ولعل هذا هو أكثر ما يميز تجربتها: أنها لم تكن تكتب عن زمنها من الخارج. لقد عاشت داخله.
دخلت السياسة وهي شابة، وكتبت عنها وهي صحفية، وحولتها إلى أدب وهي روائية، ثم حملت ذاكرتها معها من مدينة إلى أخرى، حتى أصبحت سيرتها نفسها أشبه برواية عربية طويلة، تبدأ من إدلب، تمر بدمشق وفلسطين والجزائر وباريس، ولا تزال تحمل في صفحاتها أسئلة ذلك الجيل عن الوطن، والمرأة، والسياسة، والمنفى، والكتابة.
حميدة نعنع ليست اسمًا عابرًا في دفتر الكاتبات العربيات، ولا مجرد صحفية مرّت على أخبار السياسة ثم غادرتها. إنها ابنة زمنٍ عربيّ مضطرب، حملت تناقضاته وأسئلته معها من مدينة إلى أخرى، ومن قصيدة إلى صحيفة، ومن المنفى إلى عواصم القرار.
كانت تكتب عن فلسطين وهي ترى جراحها، وعن السياسة وهي تعيش دهاليزها، وعن الإنسان وهو يقف وحيدًا أمام عواصف التاريخ.
لذلك لم تكن الكتابة عندها ترفًا، بل كانت طريقة في مقاومة النسيان، ومحاولة للإمساك بزمنٍ كان يركض أسرع من قدرة الكلمات على اللحاق به.
وحين نعود إلى سيرتها اليوم، لا نجد أمامنا شاعرة وصحفية وروائية فحسب، بل نجد امرأة جعلت من حياتها معبرًا بين الأدب والسياسة، ومن القلم شاهدًا على عصرٍ عربيّ لم يكن يرحم أبناءه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنها أن حميدة لم تكن تكتب من على شاطئ الأحداث.
كانت تمسك بالقلم وهي واقفة في قلب العاصفة.

