قبل أن تفكر أميركا في الحرب مع إيران بأيام، كتبت مقالًا أتحدث فيه عن رغبة الولايات المتحدة الدائمة في خلق عدو لها، ليس لأن العالم يخلو من الأعداء، بل لأن القوة العظمى تحتاج، في كثير من الأحيان، إلى عدو يبرر وجودها بوصفها القوة الأقوى والأولى في العالم.
لكي تقول أميركا للعالم: "أنا الأقوى"، لا يكفي أن تمتلك أكبر ترسانة عسكرية، ولا أكبر ميزانية دفاع، ولا أن تكون قادرة على الوصول إلى أي نقطة في العالم. القوة تحتاج إلى اختبار دائم. تحتاج إلى خصم. تحتاج إلى خطر يبدو كبيرًا بما يكفي حتى يصبح تدخلها ضروريًا، ومخيفًا بما يكفي حتى يصبح الناس مستعدين للتنازل عن أسئلتهم مقابل شعور مؤقت بالأمان.
وهنا تبدأ الحكاية.
يُصنع الوحش، ثم يُخيفون العالم منه، ثم تظهر أميركا في المشهد باعتبارها الوحيدة القادرة على قتله.
هذه ليست بالضرورة مؤامرة مكتملة الأركان تُكتب في غرفة مغلقة، بقدر ما هي طريقة تفكير سياسية تتكرر عندما تصبح القوة العسكرية جزءًا من تعريف الدولة لذاتها.
ففي كل مرة يظهر فيها خطر جديد، تبدأ اللغة نفسها:
تهديد للأمن القومي.
تهديد لحلفائنا.
تهديد للاستقرار العالمي.
أسلحة خطيرة.
نظام مارق.
خطر لا يمكن تجاهله.
ثم يصبح السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه:
هل نحن أمام خطر حقيقي، أم أمام خطر حقيقي جرى تضخيمه حتى تصبح الحرب هي الحل الوحيد الممكن؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين السياسة والحرب.
إيران ليست دولة بريئة من أخطاء الماضي، وليست دولة بلا مشروع إقليمي، وليست فوق النقد. لديها سياساتها وتدخلاتها وصراعاتها ومشروعها النووي والصاروخي، ولها خصومها الذين يرون فيها تهديدًا حقيقيًا. لكن الاعتراف بذلك لا يعني تلقائيًا أن الحرب هي الحل.
فالسياسة التي لا ترى إلا خيارين:
إما أن تخضع لي، أو أحاربك،
ليست سياسة دولة واثقة من قوتها، بل سياسة تخشى أن تفقد هيبتها إذا جلست إلى طاولة المفاوضات.
القوة الحقيقية ليست أن تستطيع تدمير مدينة.
القوة الحقيقية أن تستطيع منع تدميرها.
القوة ليست في عدد الطائرات التي تستطيع إرسالها إلى السماء، وإنما في قدرتك على إبقاء الطائرات في قواعدها، لأنك استطعت أن تحقق مصالحك من دون أن تسفك دمًا.
لكن مشكلة القوة العظمى أنها قد تقع في حب صورتها عن نفسها.
تبدأ الدولة في تصديق الأسطورة التي صنعتها عن قوتها. يصبح التراجع ضعفًا، والتفاوض تنازلًا، والاعتراف بالخطأ هزيمة، بينما يتحول القصف إلى رسالة قوة، والعقوبات إلى لغة دبلوماسية، والحصار إلى وسيلة لإجبار الآخرين على الاستسلام.
ثم تأتي الحرب.
وفي البداية تبدو الحرب سهلة.
صواريخ دقيقة.
طائرات حديثة.
أقمار صناعية.
قواعد عسكرية.
تفوق تكنولوجي هائل.
تسقط الأهداف، وتظهر صور الانفجارات على شاشات التلفزيون، ويُقال للعالم إن العملية حققت أهدافها.
لكن هناك شيئًا لا يظهر في الصورة.
الحرب لا تنتهي عندما تتوقف الطائرات عن القصف.
الحرب تبدأ أحيانًا بعد انتهاء القصف.
وهذا هو الدرس الذي تعلمته الولايات المتحدة من حروب طويلة في العراق وأفغانستان وغيرها: يمكنك أن تنتصر عسكريًا في المعركة، ثم تخسر سياسيًا في اليوم التالي.
يمكنك أن تسقط نظامًا، لكنك لا تستطيع إسقاط التاريخ.
يمكنك أن تدمر منشأة، لكنك لا تستطيع تدمير فكرة.
يمكنك أن تقتل قائدًا، لكنك لا تستطيع قتل الغضب الذي تركه خلفه.
ولهذا فإن أخطر ما تفعله القوة العظمى ليس أن تخوض حربًا، وإنما أن تدخلها من دون أن تعرف كيف ستخرج منها.
وهنا تكمن المأساة الأميركية.
كلما أرادت واشنطن أن تثبت أنها الأقوى، وجدت نفسها مضطرة إلى إثبات ذلك مرة أخرى.
العراق لم يكن النهاية.
أفغانستان لم تكن النهاية.
ليبيا لم تكن النهاية.
والآن إيران.
والسؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه هو:
متى تتوقف أميركا عن البحث عن الوحش الذي يجب أن تحاربه؟
لأن العالم لا يحتاج إلى شرطي عالمي دائمًا.
العالم يحتاج إلى دولة قوية تعرف متى تستخدم قوتها، والأهم من ذلك تعرف متى لا تستخدمها.
لقد تحولت القوة الأميركية، في نظر قطاعات واسعة من العالم، من مصدر حماية إلى مصدر خوف. وليس لأن كل ما تقوله أميركا كذب، ولا لأن كل خصومها أبرياء، وإنما لأن تكرار الحروب يجعل الآخرين يشكون في دوافع القوة حتى عندما تكون دوافعها المعلنة أمنية أو دفاعية.
والأخطر أن هذا الشعور لا يبقى خارج الحدود.
فحين تطول الحرب، يدفع المواطن الأميركي نفسه الثمن.
يدفع من أمواله.
من اقتصاده.
من أبنائه الذين يذهبون إلى الجبهات.
ومن صورته أمام العالم.
واللافت أن الحرب مع إيران لم تحظَ بتأييد غالبية الأميركيين في استطلاعات حديثة، وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط: "هل تستطيع أميركا خوض الحرب؟"، بل أصبح: هل يريد الأميركيون أصلًا استمرارها؟
وهنا يصبح المشهد أكثر مأساوية.
الدولة التي تقول إنها تحارب من أجل الأمن، قد تجد نفسها أقل أمنًا.
والدولة التي تقول إنها تحارب من أجل الاستقرار، قد تجد منطقة كاملة أكثر اضطرابًا.
والدولة التي تريد أن تثبت أنها الأقوى، قد تكتشف أن العالم لا يقيس القوة بعدد القنابل، وإنما بقدرة الدولة على إنهاء الصراع دون أن يتحول إلى حرب بلا نهاية.
لقد أثبتت التجارب أن إسقاط القنابل أسهل بكثير من صناعة السلام.
وأن تدمير العدو أسهل من صناعة نظام إقليمي مستقر.
وأن إعلان النصر أسهل بكثير من الحفاظ عليه.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في الحرب الأميركية الإيرانية ليس:
من الأقوى؟
فهذا سؤال بدائي لا يليق بعالم يمتلك السلاح النووي، والأسواق العالمية، وشبكات الطاقة، والاقتصادات المترابطة، وملايين البشر الذين يدفعون ثمن قرارات لا يشاركون في صنعها.
السؤال الحقيقي هو:
من يستطيع أن يخرج من هذه الحرب بأقل خسائر، ومن يستطيع أن يمنع الحرب التالية؟
لأن القوة التي تحتاج إلى حرب جديدة كل مرة حتى تثبت أنها قوية، ليست قوة مطمئنة.
إنها قوة قلقة.
والقوة القلقة أخطر من القوة الضعيفة.
أميركا ليست مطالبة بأن تتخلى عن قوتها، ولا أن تسمح بتهديد أمنها أو أمن حلفائها. لكنها مطالبة بأن تسأل نفسها سؤالًا صعبًا:
هل نريد أن نكون الدولة التي يخاف منها العالم، أم الدولة التي يحترمها العالم؟
هناك فرق هائل بين الاثنين.
الخوف يمكن أن يفرض الطاعة لبعض الوقت.
لكن الاحترام هو الذي يصنع النفوذ طويلًا.
وقد تستطيع أميركا أن تهزم إيران في معركة، لكنها لن تستطيع أن تهزم فكرة الحرب نفسها إذا ظلت السياسة الأميركية تبحث، كلما احتاجت إلى إثبات قوتها، عن وحش جديد.
فالوحش الحقيقي ليس دائمًا الدولة التي نقف أمامها على الجانب الآخر من الخريطة.
أحيانًا يكون الوحش هو الغرور الذي يجعل القوة تصدق أنها لا تُهزم.
والتاريخ لا يرحم الإمبراطوريات التي صدقت ذلك.
فكل إمبراطورية في التاريخ بدأت وهي تعتقد أنها استثناء.
ثم جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أن العالم أكبر من قوتها.
وأن الشعوب لا تنسى القنابل.
وأن الجغرافيا لا تستسلم بسهولة.
وأن الكرامة الوطنية لا يمكن قصفها من الجو.
وأن أكثر الحروب مأساوية هي تلك التي تبدأ بشعار:
"نحن نريد أن نحمي العالم"
ثم تنتهي والعالم كله يسأل:
“ومن سيحمينا من هذه الحرب؟”.


