: آخر تحديث

الصواريخ الإيرانية لا شرقًا ولا شمالًا

0
0
0

منذ أن قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، رفع آية الله الخميني شعار "تصدير الثورة"، وقدّمه بوصفه رسالة تتجاوز حدود إيران إلى الشعوب الإسلامية الأخرى.

لكن مسيرة ما يقارب نصف قرن تكشف أن تلك الثورة لم تتجه شرقًا ولا شمالًا، ولم توزّع حماستها بالتساوي على جميع جيران إيران، بل اختارت طريقًا واحدًا تقريبًا، غربًا نحو العراق، ومنه إلى سوريا ولبنان وفلسطين، ثم جنوبًا نحو دول الخليج واليمن.

لم نشهد محاولة إيرانية جدية لتصدير الثورة إلى جمهوريات آسيا الوسطى، ولا إلى أفغانستان أو باكستان، بالصورة نفسها التي جرت في الدول العربية. ولم نرَ حزب الله إيرانيًا في تركمانستان، ولا "حشدًا شعبيًا" في أذربيجان، ولا جماعات مسلحة مرتبطة بالحرس الثوري تنتشر في دول الشمال والشرق كما انتشرت في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وهذا يعني أن تصدير الثورة لم يكن مشروعًا دينيًا عالميًا خالصًا، كما زعم أصحابه، بل كان، في جانب كبير منه، مشروعًا سياسيًا توسعيًا اختار الساحات الأضعف والأكثر انقسامًا، وتجنب الدول التي يصعب اختراقها أو التي قد يكون ثمن الاصطدام بها باهظًا.

فكان العراق هو البوابة الأولى والأهم. فهو يملك حدودًا طويلة مع إيران، ويضم مدنًا ومراقد دينية ذات مكانة كبيرة لدى الشيعة، كما تجمعه بها ذاكرة تاريخية طويلة من التنافس والصراع. ثم إن السيطرة على القرار العراقي، أو التأثير فيه، تفتح الطريق إلى سوريا ولبنان والبحر المتوسط، وتسمح لإيران ببناء جسر سياسي وعسكري يصلها بحدود إسرائيل.

ولم يكن مصادفة أن يتحول العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، إلى الساحة الأوسع لنشاط الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران. فقد وجدت طهران أمامها دولة محطمة، ومؤسسات ضعيفة، ومجتمعًا أنهكته الحروب والحصار والاحتلال والانقسام الطائفي، فاستثمرت في تلك الظروف حتى أصبحت تمتلك نفوذًا واسعًا في السياسة والأمن والاقتصاد والإعلام.

ومن العراق امتد الطريق إلى سوريا، حيث وقفت إيران إلى جانب نظام بشار الأسد، ثم إلى لبنان حيث أنشأت ورعت حزب الله، وصولًا إلى اليمن حيث دعمت الحوثيين، وإلى فلسطين حيث أقامت علاقات وثيقة مع فصائل مسلحة، بالرغم من اختلافها المذهبي معها.

وهنا يتضح أن العقيدة كانت أداة من أدوات المشروع، وليست أداته النهائية. فعندما تخدم المذهبية الهدف الإيراني تُستخدم المذهبية، وعندما تقتضي المصلحة التحالف مع جماعات لا تنتمي إلى المذهب نفسه، توضع الخلافات العقائدية جانبًا.

أما في الشرق والشمال، فالحسابات مختلفة.

فإيران تحرص على عدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع باكستان، وهي دولة كبيرة تمتلك سلاحًا نوويًا. كما لا تريد إغضاب روسيا في آسيا الوسطى والقوقاز، ولا خسارة الصين التي أصبحت سندًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا لها. ولذلك نرى طهران هناك أكثر حذرًا ومرونة، بينما تتصرف في عدد من الدول العربية بجرأة أكبر، مستفيدة من ضعف الدولة وانقسام المجتمع وانتشار الجماعات المسلحة.

وقد أكدت الحرب الحالية هذا الاتجاه مرة أخرى.

وهنا نسأل، لماذا تترك إيران المصالح الأميركية في دول جوارها الشرقية والشمالية، وتركز صواريخها ومسيّراتها على دول الخليج والأردن، تحت ذريعة ضرب القواعد والمصالح الأميركية؟

لماذا ينبغي للدول العربية أن تدفع ثمن حرب لم تبدأها ولم تكن لها مصلحة في الانخراط فيها، وتتحول أراضيها ومطاراتها وموانئها ومنشآتها الاقتصادية إلى ساحات تصفية حساب بين طهران وواشنطن؟

تقول إيران إنها تستهدف أميركا. لكن الصواريخ تعبر الأجواء العربية، وتسقط شظاياها على المدن العربية، ويتحمل المدنيون العرب الخوف والخسائر والاضطراب. كما تتضرر الملاحة والتجارة وأسواق الطاقة واقتصادات المنطقة، بينما تبقى الأراضي الروسية والصينية ودول الجوار الأخرى آمنة لا ترسل إليها صواريخ.

إن وجود مصالح أميركية في دول عربية لا يمنح إيران حق مهاجمة أراضيها. وإذا كانت القيادة الإيرانية تعدّ الولايات المتحدة عدوها، فلم لا تواجهها مباشرة، ولا تجعل الدول العربية ميدانًا للحرب ووقودًا لها؟

والمفارقة الأكبر أن هذه السياسة الإيرانية تحقق عكس ما تدّعيه. فكلما هددت إيران دولة خليجية أو عربية، ازداد شعور تلك الدولة بالحاجة إلى الحماية الأميركية. وكلما أطلقت الصواريخ على جيرانها، منحت واشنطن مبررًا جديدًا لتعزيز قواعدها وتوسيع تحالفاتها العسكرية في المنطقة.

وبذلك تصبح إيران، التي تزعم أنها تسعى إلى إخراج أميركا من المنطقة، واحدًا من أهم الأسباب التي تدفع دول المنطقة إلى التمسك بوجودها.

إن مراجعة السياسة الإيرانية منذ عام 1979 تقود إلى نتيجة واضحة. هي أن إيران لا تجرؤ على التعامل مع جيرانها الأقوياء بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولا تنقل حربها مع أميركا إلى أراضي الدول التي تخشى ردود أفعالها.

ولهذا ينبغي ألا يكون السؤال عن جوهر العداوة بين إيران وأميركا، بل عن السبب الذي يجعل إيران تصرّ على أن يدفع العرب، وحدهم، ثمن هذه العداوة؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.