لا تعدو زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران سوى زيارة مجاملة بروتوكولية، هدفها الأساسي هو "دفع البلاء"، أو كما يقول العراقيون بلهجتهم المحببة "چفيان شر". وإلا، فلا رئيس وزراء العراق مؤهل ليكون وسيطًا بين أميركا وإيران، ولا زيارته الرسمية ستتمخض عن نتائج يمكن أن تخدم مصلحة البلدين، وتهدئ من حدة التصريحات العدائية المتبادلة التي صدرت عن الطرفين، خصوصًا بيان مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، الذي هاجم فيه رئيس الوزراء العراقي، أو التصريحات التي تسربت إلى وسائل الإعلام حول تنبيه الزيدي لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعدم قبوله التدخل السافر لإيران في الشؤون الداخلية العراقية.
يبدو أن رئيس الوزراء الزيدي قد خرج عن طوع الإطار التنسيقي الشيعي الذي نصبه رئيسًا للوزراء، خصوصًا بعد إعلان الإدارة الأميركية، بشخص الرئيس ترامب، دعمها اللامحدود للزيدي وحكومته، حتى إن الرئيس ترامب لم يتردد في إعلان نية الإدارة الأميركية إبقاء الزيدي في منصبه إلى سنوات طويلة قادمة، لمساعدته على التركيز على مهمته الأساسية التي تتمحور حول نقطتين مهمتين، وهما: تقليص الدور الإيراني وتدخلاته في شؤون العراق، عبر تجريد أذرعه العسكرية الموالية، من الفصائل المسلحة، من أسلحتها، وكذلك تجفيف منابع التمويل العراقي لإيران عبر محاربة الفساد، التي طالت حتى الآن بعض قيادات الصف الثالث، وسوف تتصاعد الملاحقات للوصول إلى الصفوف الأعلى من القيادات الشيعية الحاكمة في العراق.
مما لا شك فيه أن الفساد الذي ينهش جسد العراق منذ سقوط النظام الصدامي قبل ثلاثة وعشرين عامًا كان سببه الأول والأخير هو التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة العراقية، في ظل نظام سياسي طائفي موالٍ تمامًا لإيران، التي مدت شبكات مافياوية واسعة في أجزاء الدولة العراقية. وبالتالي، فإن الحرب التي أعلنها الزيدي ضد الفساد في الشهرين الأخيرين تستهدف، بشكل رئيسي، ذلك النفوذ الإيراني الذي حوّل العراق إلى حديقة خلفية لطهران. فإذا أضفت إليها المحاولات الجارية من قبل الزيدي لتجريد الفصائل الموالية من سلاحها، تكون أميركا قد حققت انتصارًا كبيرًا على إيران بعزل العراق عن نفوذها.
للتدليل على جدية أميركا في نتف ريش طهران وقطع يدها في العراق، دعونا نلحظ ونقارن بين الزيارة التي أجراها الزيدي إلى واشنطن، والتي تمخضت عن توقيع ما يقرب من 50 اتفاقًا بقيمة 69 مليار دولار، وبين ما وقعه في طهران من اتفاقات هزيلة، مثل توأمة العاصمتين بغداد وطهران، ومشروع لمد شبكة سكك الحديد بين إيران والعراق، وهي اتفاقات لا تعدو، في حقيقة الأمر، كونها حبرًا على الورق. ومن هنا، يمكن القول إن الزيارة الأخيرة للزيدي إلى طهران لا تخرج من التوصيف الذي ذكرناه في مقدمة المقال، بأنها مجرد زيارة بروتوكولية لجبر الخواطر، ليس إلا.
المهم أن طهران تعرف، قبل غيرها، أن تنصيب علي الزيدي رئيسًا لوزراء العراق، وتقديم كل هذا الدعم الكبير له من قبل الرئيس ترامب وإدارته، يهدفان بمجملهما إلى القضاء على النفوذ الإيراني داخل العراق، وأن الزيدي أصبح رجل أميركا في العراق، وليست هناك قوة داخلية أو إقليمية قادرة على إزاحته أو عرقلة تحقيق أهداف أميركا في العراق. وبناءً عليه، فمن غير المستبعد أن يستكمل الزيدي مهمته، ويواجه بكل صلابة مكامن النفوذ الإيراني، ويضرب الفصائل الموالية لها. ولنلاحظ التغييرات التي أجراها الزيدي عشية زيارته إلى إيران، من خلال عزل العديد من القيادات الأمنية والعسكرية، وإحلال عناصر وقيادات موالية له في المناصب الحساسة بالدولة، وهذه التغييرات بمجملها تصب في صالح جهود الزيدي لضرب مراكز القوى الموالية لإيران في العراق. ومهما قيل عن أهداف صولات الزيدي لمحاربة الفساد، ووضعها في خانة تصفية قيادات شيعية موالية لإيران، فإنها في الحقيقة حملات لتصفية فلول النظام الإيراني داخل العراق، سواء كانت شيعية أو سنية أو حتى كوردية.
وعليه، سوف نرى في الأيام القادمة ظهور قوائم بأسماء فاسدين من الوزن الثقيل، ومن أعلى مناصب ومراكز الدولة، وتتوالى إجراءات العزل وإبعاد الكثيرين منهم عن مراكز السلطة. فهي، إذن، حرب غير مباشرة بكل تفاصيلها، تدور رحاها داخل العراق بين النفوذين الأميركي والإيراني.


