: آخر تحديث

بعد خامنئي: المأزق الاستراتيجي لولاية الفقيه واعتلاء المقاومة المنظمة

3
3
5

في التاريخ الإيراني المعاصر، نادرًا ما نجد مرحلة حاصرت فيها الأزمات الثلاث المتزامنة، "القيادة"، و"الشرعية"، و"الكفاءة"، نظامَ ولاية الفقيه في مأزق حاد كالذي يواجهه اليوم. فمع غياب علي خامنئي، وتزامن ذلك مع حرب ضارية استنزفت البنية التحتية الأمنية والعسكرية للنظام، دخلت السلطة الحاكمة أخطر مراحل وجودها على الإطلاق. كما أن اختفاء وتهميش شخصيات مثل مجتبى خامنئي يكشف، أكثر من أي وقت مضى، عن حجم الارتباك والانقسام العميق داخل هيكل السلطة بشأن حسم ملف الخلافة.

وفي هذا المشهد، تبرز أهمية الفرز الدقيق بين الحل الحقيقي والسراب الزائف، إذ تؤكد المقاومة الإيرانية دائمًا أن التغيير في إيران لا يمر عبر التدخل العسكري الخارجي أو الحروب، ولا عبر سياسة المهادنة والاسترضاء الاستعمارية، وهو موقف يختلف جذريًا عن الطروحات التابعة للتيارات الملكية التي تراهن على الخارج. إن مشروعية أي تحول سياسي تنبع حصرًا من إرادة الشعب الإيراني ونضاله المنظم.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، بلغت عزلة النظام ذروتها. وفي أحدث محطة لهذه العزلة، أصدرت 120 شخصية بارزة من القادة السياسيين والبرلمانيين والأكاديميين في العالم العربي بيانًا مشتركًا أدانوا فيه 47 عامًا من القمع والإرهاب وإشعال الحروب التي مارسها النظام. وأكد الموقعون أن النظام أقحم استقرار المنطقة في أزماته لضمان بقائه، وأنه، عقب فشل مشاريعه الإقليمية، لجأ إلى تصعيد القمع الداخلي. كما شدد البيان على أن مخرج الأزمة لا يكمن في الحرب أو المهادنة، بل في الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط الاستبداد ودعم المقاومة المنظمة.

ومع تفاقم هذه العزلة القاتلة، وللجم الغضب الشعبي العارم، صعّد النظام من آلة القمع والإعدامات. وتأتي عملية إعدام الشاب مهدي جانكي، أحد أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، الذي اعتُقل على خلفية انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2026، والتي أعلنتها وكالة "ميزان" التابعة للسلطة القضائية للنظام، شهادة ساطعة على هذا التوجه. إن كشف المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لملابسات هذه الجريمة، وإبلاغ المقرر الخاص للأمم المتحدة بظروف اعتقاله وتعذيبه، يوضح أن لجوء السلطة المتزايد إلى أدوات البطش القضائي والأمني لا يعبر عن اقتدار، بل يعكس هلعًا عميقًا من اتساع نطاق الاحتجاجات المنظمة.

وفي مقابل هذا التداعي، يثبت البديل الديمقراطي حضوره القوي في الساحتين الدولية والميدانية. فخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، ومشاركتها في جلسات لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشيوخ، والبرلمان، ومؤسسة إيناودي، عرضت السيدة مريم رجوي ملامح "إيران الغد"، معرّجةً على "خطة النقاط العشر" للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهي خارطة طريق تضمن إقامة جمهورية ديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام، وضمان حقوق القوميات، وإيران خالية من السلاح النووي.

وداخليًا، وبالرغم من أن الظروف الأمنية وتداعيات الحرب قد قلصت من مظاهر التجمعات الشارعية، فإن الغضب الشعبي لم يخمد، بل تحول إلى حركة أكثر عمقًا واستعدادًا. إنها مسيرة تنظيمية متصاعدة بدأت بـ"الشباب المنتفض"، وتجذرت عبر "وحدات الانتفاضة" على امتداد البلاد، لتشكّل المقومات الضرورية لبناء "جيش التحرير الوطني" كظهير حاسم لإسقاط الاستبداد الديني ونقل السلطة إلى الشعب.

ختامًا، إن غياب علي خامنئي ليس مجرد نهاية لشخص، بل هو نقطة التقاء لجميع الأزمات المتراكمة في جسد النظام. إن الصراع اليوم في إيران يكمن بين استمرار آلة القمع لولاية الفقيه، وبين طرح ديمقراطي متكامل لمستقبل البلاد. وما سيحسم هذا الصراع ليس المتغيرات الخارجية، بل معادلة القوة بين المقاومة المنظمة وإرادة الشعب التواق إلى الحرية، وهي المعادلة التي تجعل التغيير والانتقال إلى إيران الديمقراطية خيارًا واقعيًا وقريب المنال أكثر من أي وقت مضى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.