لم تعد أزمة النظام الإيراني محصورة في الشارع أو الاقتصاد أو حتى في الصراع التقليدي بين أجنحته. الجديد هذه المرة أن الخلاف وصل إلى قلب آلة الدعاية الرسمية نفسها، أي هيئة الإذاعة والتلفزيون التابعة للنظام، التي تحولت في الأسابيع الأخيرة من أداة موحدة لتسويق صورة السلطة إلى ساحة مواجهة بين مراكز القوى داخل الحكم.
فحين يصل الأمر إلى حذف مقاطع من كلمة رئيس النظام مسعود بزشكيان، وقطع بث مباشر لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وتشويه مواقف وزير الخارجية عباس عراقجي أو حجب مقابلاته عن الجمهور الداخلي، فإننا لا نكون أمام خلاف مهني حول إدارة البث، بل أمام مؤشر واضح على تفكك الانضباط الداخلي في بنية السلطة.
في إيران، لا توجد صحافة حرة بالمعنى الحقيقي. فوسائل الإعلام، من التلفزيون الرسمي إلى الصحف ووكالات الأنباء والمواقع الإلكترونية، تخضع بصورة مباشرة أو غير مباشرة لرقابة النظام وأجهزته الأمنية. قد تعكس هذه الوسائل أحيانًا مواقف أجنحة مختلفة داخل الحكم، لكنها لا تستطيع تجاوز حدود النظام نفسه. وكل صحافي يحاول كشف وقائع ممنوعة أو فتح مساحة لصوت مستقل يواجه الفصل أو الملاحقة أو السجن.
لذلك، لا ينبغي قراءة الخلاف الأخير حول رقابة التلفزيون الرسمي باعتباره دليلًا على وجود هامش حرية إعلامية. العكس هو الصحيح. فكل الأطراف المتصارعة تنتمي إلى بنية الحكم ذاتها. غير أن ما يستحق التوقف عنده هو أن أزمة النظام بلغت مستوى بات فيه حتى الرئيس ووزير الخارجية ورئيس السلطة القضائية ورئيس البرلمان عرضة للرقابة من قبل مؤسسة يُفترض أنها تمثل الدولة كلها.
بلغت الأزمة ذروتها بعدما حذف التلفزيون الرسمي أجزاء مهمة من خطاب بزشكيان خلال مراسم يوم الصناعة والمناجم. وذكرت صحيفة آرمان ملي في 25 تموز (يوليو) 2026 أن منتجي التلفزيون قطعوا المقطع الذي تحدث فيه بزشكيان عن تفويضات خاصة من القيادة لمتابعة مفاوضات من أجل إنهاء حالة "لا حرب ولا سلام". ولم يقتصر الأمر عليه، إذ جرى التعامل بالطريقة نفسها مع تصريحات رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي عندما دعا جميع السلطات إلى دعم الرئيس، كما قُطع البث المباشر لكلمة قاليباف بصورة مفاجئة.
هذا السلوك دفع مجلس الإعلام الحكومي إلى إصدار بيان حاد، نشرته وكالة إيسنا في 24 تموز (يوليو)، تساءل فيه عن الأهداف التي يسعى إليها مسؤولو التلفزيون الرسمي من خلال التعامل الانتقائي مع مواقف رؤساء السلطات. ووصف البيان هذه التصرفات بأنها ممارسات تمزق الوحدة وتصدر عن تيار سياسي محدد، محذرًا من نتائجها على الأمن القومي.
حتى يوسف بزشكيان، مستشار الرئيس ونجله، دخل على خط السجال، متسائلًا بسخرية: من هو الشخص في التلفزيون الرسمي الذي يقرر أي جزء من كلمات رؤساء السلطات يجب ألا يُبث؟ وإذا كان هناك شخص بهذه الحكمة، وحكمه أعلى من حكم رؤساء السلطات، فلنسلمه إدارة البلاد.
هذه العبارة تكشف عمق الأزمة. فالمشكلة لم تعد فقط في وجود رقابة، بل في أن سلطة الرقابة نفسها أصبحت موضوع صراع. من يملك حق حذف كلام الرئيس؟ من يقرر ما يسمعه الناس؟ ومن يحدد الخط المسموح به داخل إعلام النظام؟ هذه الأسئلة لا تعكس خلافًا إعلاميًا، بل صراعًا على مركز القرار داخل الدكتاتورية.
وانتقل الخلاف سريعًا من شاشة التلفزيون إلى مجلس الوزراء. وبحسب صحيفة شرق في 25 تموز (يوليو)، وبّخ بزشكيان رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون بيمان جبلي بشدة، بعدما اعترض الأخير علنًا على إحاطة قدمها أحد الوزراء الكبار حول المفاوضات النووية. وكتبت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أن "الإعلام الوطني ليس قاضيًا ولا رقيبًا"، بينما تساءل إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، عما إذا كان التلفزيون الرسمي يقف مع الأمة أم مع أولئك الذين ينتفعون من الانقسامات والتوتر والاستقطاب.
لكن الهجوم لم يستهدف الرئيس وحده. فقد تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لحملة قاسية من البرامج المتشددة في التلفزيون الرسمي، إلى حد أن مقابلاته مع وسائل إعلام دولية مُنعت من العرض داخليًا. وذكرت صحيفة شرق أن أحد مقدمي البرامج سخر منه على الهواء، وقلل من شأنه إلى مستوى "مدون"، واتهمه بأنه وقع في لعبة الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي مقابلة نقلتها صحيفة هم ميهن، عبّر عراقجي عن استيائه من حجب ما وصفه بإنجازاته الإقليمية، قائلًا إن العراقيين وصفوه بالبطل، بينما حجب التلفزيون الرسمي ذلك، في وقت يردد فيه البعض داخل البلاد شعار "الموت للمساوم".
الأزمة لا تقف عند حدود الحذف والتشويه. فقد وفّر التلفزيون الرسمي مساحة لأصوات متطرفة تدعو إلى العنف والتصعيد. ففي مقابلة نشرها موقع ديدار نيوز في 20 تموز (يوليو)، حذر الدبلوماسي السابق جلال ساداتيان من أن بعض مقدمي البرامج والضيوف غير المؤهلين يروجون علنًا لفكرة اغتيال قادة أجانب مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بل ويطالبون بمحاكمة قاليباف وبزشكيان لأنهما يعارضان هذا النهج.
ما يجري اليوم ليس صراعًا بين إعلام حر وسلطة قمعية، بل صراع بين أجنحة داخل النظام حول كيفية إنقاذ سلطة آخذة في الضعف. جناح يرى في التفاوض وتخفيف الضغط الخارجي فرصة لالتقاط الأنفاس، وجناح آخر يعتبر أي تراجع بداية لانهيار أوسع. وبينهما تتحول الرقابة إلى سلاح، والإعلام إلى ساحة معركة.
هذا الانقسام يتزامن مع أزمات أعمق في المجتمع الإيراني: اقتصاد متداعٍ، وغضب شعبي متراكم، واستمرار الإعدامات، واتساع نشاط وحدات المقاومة داخل المدن. لذلك، فإن انكشاف التصدع داخل التلفزيون الرسمي لا ينفصل عن خوف النظام من الشارع. فكلما ضعفت قبضته على المجتمع، ازداد شراسة في الداخل، واشتدت صراعات أجنحته حول الطريق الأنسب للبقاء.
لقد حاول النظام الإيراني لسنوات أن يقدم نفسه كقوة متماسكة قادرة على إدارة أزماتها. لكنه اليوم يكشف، عبر مؤسسته الإعلامية الرسمية، صورة مختلفة تمامًا: سلطة لا تثق حتى بخطاب مسؤوليها، وأجنحة لا تتردد في إسكات بعضها بعضًا، ومؤسسات تتصارع على حق احتكار الكذب الرسمي.
إنَّ رقابة التلفزيون الرسمي على قادة النظام لا تعني أن حرية إعلامية تولد من داخل السلطة، بل تعني أن آلة الرقابة نفسها دخلت مرحلة الفوضى. وعندما يلتهم النظام صوته الرسمي، فذلك مؤشر على أن الأزمة لم تعد خارج الجدران، بل أصبحت في قلب البيت الحاكم نفسه.


