: آخر تحديث

الصومال: من يستثمر في الفوضى ومن يبني الدولة؟

3
3
3

من يعتقد أن الصومال بلدٌ منهك خارج الحسابات، لم يفهم شيئاً عن السياسة حين تنزع قفازاتها.

الصومال ليس دولة فاشلة كما يُسوَّق لها صُنّاع الفوضى، بل دولة أُريد لها أن لا تقوم، لأن قيامها يُربك توازنات كاملة، ويكسر نموذجاً استثمرت فيه قوى الشر لعقود.

في الصومال، لا تتواجه الجيوش مباشرة، بل تتصارع المنهجيات، منهج يرى الإنسان عبئاً أمنياً يجب ضبطه، ومنهج يرى الإنسان أصل المعركة وبدايتها ونهايتها.

هنا بالضبط، يتكثف الصراع بين محورين: محور الشر الذي تقوده إسرائيل وحلفاؤها بعقل أمني بارد، ومحور الخير الذي تقوده السعودية العظمى بعقل دولة يعرف أن الاستقرار لا يُفرض، بل يُبنى.

الصومال، في الحسابات الجيوسياسية، ليس شاطئاً طويلاً فقط، ولا موقعاً استراتيجياً على باب المندب، ولا عقدة وصل بحرية بين آسيا وأفريقيا.

الصومال هو سؤال:

هل يمكن لدولة أنهكها التفكك أن تُستعاد عبر التنمية؟ أم أن الفوضى ستظل الاستثمار الأكثر ربحاً؟

محور الشر لا يرى في الصومال دولة، بل فراغاً قابلاً للتشكيل، فراغاً يُملأ بالمليشيات حيناً، وبالشركات الأمنية حيناً، وبمشاريع إغاثية مُسيّسة تُبقي الجرح مفتوحاً لا ليُشفى، بل ليُدار. في هذا النموذج، لا يُحارب الإرهاب لأنه خطر، بل لأنه وظيفة مؤقتة، فوجوده يبرر التدخل، ويُبقي الدولة ضعيفة، ويجعل القرار السيادي مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

أما السعودية، فتدخل الصومال من زاوية مقلقة لهذا المحور:

زاوية الدولة لا الوكيل، وزاوية الاستقرار لا الابتزاز، وزاوية المستقبل لا إدارة الكوارث.

السعودية لا تسأل: كيف نُمسك بالصومال؟ بل تسأل: كيف يقف الصومال على قدميه دون أن يحتاج أحداً؟

وهذا سؤال خطير في عالم اعتاد على إدارة الدول لا بنائها. في السياسة العميقة، أخطر ما يمكن أن تفعله هو أن تُنهي الحاجة، لأن الحاجة هي العملة التي يتقنها محور الشر، وحين تقل الحاجة، تنهار الشبكات، وتتعطل الأسواق السوداء، وتفقد الفوضى معناها.

لهذا، تُحارَب أي مقاربة تنموية حقيقية في الصومال بالتشويه، وتُتهم بالوصاية حيناً، وبالطموح الزائد حيناً آخر، مع أن الحقيقة أبسط: هناك من لا يريد للصومال أن يستقر، لأنه يعيش على عدم استقراره.

الصومال اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن يبقى حالة إنسانية مزمنة تُدار بالبيانات، أو يتحول إلى دولة طبيعية تُدار بالمؤسسات.

محور إسرائيل يعرف أن دولة صومالية مستقرة تعني نهاية سوق أمني ضخم، وتراجع نفوذ الاستخبارات غير المرئية، وفقدان ذريعة التدخل تحت مسميات متعددة، وانكسار نموذج الدولة الفاشلة القابلة للتدوير.

لذلك، لا يُحارب هذا المحور السعودية مباشرة في الصومال، بل يحارب فكرتها، فكرة أن التنمية ممكنة، وأن الشراكة أنجع من الوصاية، وأن الأمن نتيجة لا أداة.

السعودية، بخبرتها في التحول الوطني، لا تُصدّر شعارات. هي تعرف أن بناء الدولة عمل صامت، طويل، ومكلف. لكنها تعرف أيضاً أن ثمن الفوضى أعلى بكثير. في الصومال، المعركة ليست عسكرية، إنها معركة زمن، من يملك الصبر الاستراتيجي، ومن يراهن على الإرهاق.

محور الشر يراهن على أن الصومال سيتعب من نفسه، ومحور الخير يراهن على أن الصومال سيتعافى بنفسه إذا رُفعت عنه الأثقال الخاطئة.

والفرق بين الرهانين هو الفرق بين من يرى الشعوب أرقاماً، ومن يراها مستقبلاً.

الصومال لن يُحسم بالسلاح.

سيُحسم حين يدرك الصومالي أن العالم لا يريد منه أن يظل ضحية.

وحينها فقط، ستسقط الأقنعة، وسيُعرف من كان يستثمر في جراحه، ومن كان ينتظر لحظة شفائه.

الصومال ليس الحلقة الأضعف، إنه المرآة، ومن لا يعجبه ما يراه فيها يحاول كسرها بدلاً من إصلاح وجهه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.