: آخر تحديث

هندسة التوتر والنفوذ: أميركا وإيران على حافة الانفجار

4
4
3

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران سؤالًا حول هل ستقع الحرب؟ بل أصبحت سؤالًا أكثر دقة وخطورة: كيف ستُدار الحرب دون أن تُعلن؟

فالذي يحدث اليوم ليس تصعيدًا عشوائيًا، بل صراع محسوب بدقة، تتحرك فيه الصواريخ بالتوازي مع المفاوضات، وتُفتح قنوات الاتصال في اللحظة نفسها التي تُرفع فيها درجة الاستنفار العسكري. إنها معادلة الشرق الأوسط الجديدة: الضغط الأقصى دون الانفجار الكبير.

لماذا التصعيد الآن؟

التوقيت ليس صدفة.

واشنطن تريد إعادة رسم قواعد الردع قبل تثبيت أي اتفاق سياسي مع طهران، بينما تسعى إيران إلى تحسين شروط التفاوض عبر رفع كلفة المواجهة على الأميركيين وحلفائهم.

بمعنى آخر:

الضربات العسكرية هنا تتحول إلى لغة سياسية، وليست بداية حرب تقليدية.

الطرفان لا يقاتلان لتحقيق نصر عسكري مباشر، بل لفرض موقع أقوى على طاولة التفاوض.

ما المتوقع خلال الأيام القادمة؟

تصعيد مسيطر عليه لا حرب شاملة
السيناريو الأرجح هو استمرار الضربات المحدودة والردود غير المباشرة عبر ساحات متعددة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة.

الولايات المتحدة تريد إظهار القوة دون التورط في حرب شرق أوسطية جديدة، خاصة في ظل حسابات داخلية وانتخابية واقتصادية حساسة.

أما إيران، فهي تدرك أن الحرب الشاملة قد تهدد بنية النظام نفسه، لذلك تعتمد استراتيجية الرد تحت سقف الانفجار.

ساحات بديلة بدل المواجهة المباشرة
المواجهة لن تكون بالضرورة بين واشنطن وطهران وجهًا لوجه، لاستحالة تحقيق ذلك بسبب البعد الجغرافي للولايات المتحدة، بل عبر نقاط الاحتكاك الإقليمية:

البحر الأحمر والممرات البحرية

العراق وسوريا

الخليج العربي

وربما جبهات غير متوقعة اقتصاديًا أو سيبرانيًا

وهنا تتحول المنطقة إلى لوحة ضغط متبادل، حيث تُستخدم الجغرافيا كأداة تفاوض.

المفاوضات لن تتوقف، بل ستشتد
المفارقة أنَّ التصعيد العسكري غالبًا ما يعني أن المفاوضات اقتربت من لحظة حاسمة.

في الشرق الأوسط، عندما ترتفع وتيرة النار، فهذا يعني أن الأطراف تحاول تحسين شروط اللحظة الأخيرة قبل التسوية.

لماذا يسمح الطرفان بالتصعيد دون حرب؟

لأن كليهما يحتاج التوتر، ولا يريد الانهيار.

واشنطن تحتاج ردع إيران دون فتح جبهة طويلة تستنزفها عالميًا.

طهران تحتاج إثبات قدرتها على الرد دون منح واشنطن مبرر الضربة الكبرى.

إنه توازن خطير يشبه السير على حافة الهاوية: التراجع ضعف، والتقدم الزائد انتحار سياسي.

الخطر الحقيقي
الخطر لا يكمن في قرار الحرب، بل في الخطأ الحسابي.

صاروخ يخطئ الهدف، أو اغتيال غير مجدول، أو رد فعل ميداني غير محسوب، قد يحول التصعيد المدروس إلى مواجهة لا يريدها أحد لكنها تصبح واقعًا مفروضًا.

التاريخ العسكري مليء بحروب لم تبدأ بقرار سياسي، بل بسوء تقدير.

الأيام القادمة لن تشهد غالبًا حربًا شاملة بين أميركا وإيران، لكنها ستكون أخطر من الحرب نفسها.

سنرى ضربات محسوبة، رسائل نارية متبادلة، وتصعيدًا يرفع منسوب القلق العالمي، بينما تستمر القنوات الخلفية بالعمل بصمت.

فالشرق الأوسط اليوم لا يعيش لحظة حرب، بل يعيش هندسة التوتر.

والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل: من ينجح في تحويل النار إلى اتفاق قبل أن تخرج عن السيطرة؟

لكن فيما لو تم اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، فإن المنطقة لن تدخل حربًا تقليدية فحسب، بل مرحلة فوضى استراتيجية قد تدفع إيران إلى ردٍّ شامل يعيد رسم قواعد الصراع في الشرق الأوسط بالكامل.

وفي الوقت نفسه، قد تجد نفسها مضطرة للمساومة على بعض المطالب الأميركية مقابل الحفاظ على سيطرتها الكاملة على الداخل، فتختار التنازل الجزئي سياسيًا مع الاحتفاظ بالقدرة الاستراتيجية على التحكم بالمصير الوطني.

الأيام القادمة إذًا لن تشهد حربًا شاملة فحسب، بل مرحلة هندسة التوتر القصوى: ضربات دقيقة، رسائل نارية، ومفاوضات سرية تختلط فيها الفرص بالمخاطر، لتبقى المنطقة على حافة الصدام في لعبة لا يعرف أحد نهايتها.

وأخيرًا، حرب إيران اليوم ليست فقط مصالح دول، بل أصبحت شخصية لترامب ونتنياهو، حيث تختلط الرغبات السياسية الداخلية مع الاستعراض العسكري على حساب المنطقة.

من كان حليفًا بات عدوًا، لا أحد يعرف، قد يعود صديقًا من جديد.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.