: آخر تحديث
انقسام في المنفى حول التصعيد وإدارة المرحلة الانتقالية:

أصوات إيرانية في الخارج: الهجمات على الخليج قرار نظام لا إرادة شعب

3
3
3

إيلاف من لندن: في خضمّ الهجمات الراهنة على الخليج، وما يرافقها من رسائل عسكرية مشفّرة وعلنية، وتهديدات مباشرة وغير مباشرة للملاحة الدولية، ومؤشرات متراكمة إلى تصعيد إقليمي واسع قد يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، برزت في المنافي الإيرانية مجموعة مواقف تسعى إلى تكريس فكرة وجود رأي إيراني مستقل، منفصل بنيوياً عن خطاب السلطة في طهران وأولوياتها. هذا الحراك الخطابي لا يأتي بوصفه ردّ فعل عاطفياً على حدث عابر، بل كمحاولة واعية لإعادة تعريف موقع الإيرانيين في معادلة التصعيد، وفصل المجتمع عن منظومة القرار العسكري–الأمني التي تمسك بملف الحرب والسلم.

فالجدل الدائر في أوساط المعارضين في الخارج يعكس قراءة مزدوجة للمشهد: من جهة، تشخيص لطبيعة النظام بوصفه فاعلاً يفضّل إدارة التوتر ضمن سقوف مدروسة بدلاً من الانزلاق إلى حرب شاملة، ومن جهة أخرى تحذير من أن تكرار هذه المقاربة يراكم مخاطر سوء التقدير ويضاعف الكلفة الاقتصادية والحقوقية على الداخل الإيراني وعلى الإقليم ككل. وبين هذين المستويين، يتقدم أيضاً خطاب سياسي يسعى إلى استثمار لحظة الضغط الإقليمي لطرح بديل انتقالي منظم، يقدّم نفسه بوصفه مخرجاً من منطق تصدير الأزمات نحو إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين إيران ومحيطها.

بهذا المعنى، لا يقتصر هذا الرأي الإيراني المعارض على إدانة التصعيد أو تسجيل موقف أخلاقي، بل يتوزع بين تحليل استراتيجي لسلوك النظام، وتحذير حقوقي من تداعيات المواجهة، وصياغة مشروع سياسي بديل يحاول أن يحوّل لحظة التوتر إلى نقطة انعطاف محتملة في مسار الدولة الإيرانية.

استراتيجية الحافة وإدارة الأزمات
يقدّم أمير طاهري قراءة تقوم على أن النظام الإيراني لا يخوض الحروب بمعناها الكلاسيكي، بل يدير أزمات مضبوطة الإيقاع. في تحليلاته، يميز بين حرب شاملة قد تهدد بقاء النظام، وبين تصعيد مرحلي محسوب يهدف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض الاعتراف بدور إيران الإقليمي.

يرى طاهري أن استهداف الخليج أو التلويح بأوراق استراتيجية كالممرات البحرية ليس انفعالاً ظرفياً، بل جزء من استراتيجية الحافة، أي الاقتراب من المواجهة القصوى دون الانزلاق إليها. ويحدد ثلاث أدوات ضغط رئيسية: القوة الصاروخية والمسيّرات لضرب أهداف محددة، توظيف الجغرافيا السياسية وفي مقدمها المضائق الحيوية، وشبكة الحلفاء الإقليميين التي تتيح خلق طبقات متعددة من الردع غير المباشر.

ويحذر من أن نقل المعركة إلى الخليج يمنح طهران مكاسب تفاوضية قصيرة الأجل، لكنه يعمّق في المقابل عزلتها ويعزز اصطفافاً عربياً–دولياً مضاداً لها. فالمساس بالبنية الأساسية للطاقة أو الملاحة يضع إيران في مواجهة مباشرة مع الاقتصاد العالمي، ما يرفع كلفة أي جولة تصعيد جديدة. كما يؤكد على ضرورة الفصل بين إيران المجتمع وإيران النظام، معتبراً أن الشعب الإيراني لا يُستشار في قرارات الحرب والسلم، وأن تحميله تبعات خيارات الحرس الثوري خطأ في القراءة السياسية والأخلاقية.

لا فصل بين الصواريخ والسياسة
من جهتها، ترى مسيح علينجاد أن البرنامج الصاروخي وأدوات القوة غير التقليدية ليست تفصيلاً منفصلاً عن المسار السياسي للنظام، بل هي جوهر آلية الابتزاز الإقليمي. وتعتبر أن أي مقاربة تفاوضية لا تعالج هذه الأدوات ستبقي الخليج عرضة لدورات متكررة من التهديد، لأن المنظومة ذاتها قائمة على تصدير الأزمات كوسيلة بقاء.

التمييز بين الشعب والنظام
في السياق ذاته، يكرر رضا بهلوي دعوته إلى التمييز بين المجتمع الإيراني والسلطة الحاكمة، معتبراً أن إدخال البلاد في مواجهة إقليمية واسعة يفاقم عزلتها ويضاعف معاناة شعبها. ويطرح نفسه عنواناً لمرحلة سياسية بديلة، تقوم على إعادة دمج إيران في محيطها الإقليمي والدولي بدلاً من وضعها في موقع الاشتباك الدائم.

هذه ليست حرب الناس
أما شيرين عبادي فتركز في مواقفها على البعد الحقوقي، مؤكدة أن مغامرات السياسة الخارجية لا تعبّر عن مطالب المجتمع الإيراني، بل تُستخدم لتبرير تشدد داخلي وتوسيع القبضة الأمنية. وتستعيد في هذا السياق مقولة أن الإيرانيين ليسوا دعاة حرب، وأنهم يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها.

من أزمة وجود إلى انتقال منظم
على مستوى الطرح السياسي التفصيلي، يذهب نظام مير محمدي إلى اعتبار اللحظة الراهنة أزمة وجود للنظام، تتجاوز حدود إدارة التصعيد إلى احتمال تحوّل بنيوي. فهو يرى أن استهداف مراكز القوة الأمنية والعسكرية يكشف هشاشة لا يمكن معالجتها بإصلاحات شكلية.

ويرى مير محمدي أن ما تشهده طهران ومدن إيرانية أخرى من استهداف لمراكز القمع الحكومية، يمثل ذروة الانسداد السياسي لهذا النظام. ويقول إنَّ وقائع اليوم  أثبتت أن القوة العسكرية التي كان يتفاخر بها نظام الملالي باتت عاجزة عن حماية حصونه الرئيسية. في هذا المشهد المتفجر، لم يعد الرهان على إصلاحات داخلية أو استقرار هش ممكناً؛ فالنظام يواجه "أزمة وجود" لا رجعة فيها، مما يمهد الطريق لقفزة نوعية نحو التغيير الجذري.

ويقول مير محمدي إن شمس الاستبداد الديني آيلة للغروب، وما يحدث في شوارع طهران ومقرات السلطة اليوم هو المخاض الأخير لولادة إيران جديدة. إن البديل المنظم جاهز، والبرنامج الديمقراطي واضح، وإرادة الشعب الإيراني لن تتوقف حتى تحقيق "الجمهورية الحرة والديمقراطية".

بين إدارة اللعبة وكسرها
التقاطع بين هذه الأصوات يكمن في تأكيد أن الهجمات على الخليج لا تعكس إرادة المجتمع الإيراني، بل قراراً داخل منظومة عسكرية–أمنية محددة. وفي المحصلة، يعكس الجدل داخل المنفى الإيراني سعياً إلى ترسيخ سردية بديلة: إيران ليست كتلة واحدة خلف سياسات التصعيد، وثمة تيار واسع يدعو إما إلى إعادة ضبط اللعبة الإقليمية ضمن حدود أقل خطورة، أو إلى إعادة تأسيس الدولة على قاعدة ديمقراطية تنهي منطق تصدير الأزمات. وبين هذين الخيارين، يبقى الخليج ساحة اختبار ليس فقط لقوة الردع، بل أيضاً لمستقبل إيران نفسه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار