في خضم تصاعد التوتر الإقليمي، برز خطاب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو يعلن تسمية العملية العسكرية ضد إيران بـ"زئير الأسد". قد يبدو الاسم للوهلة الأولى توصيفًا تعبويًا اعتياديًا، غير أن تفكيك مفرداته يكشف عن طبقات رمزية تتجاوز الحسابات العسكرية إلى توظيف التاريخ الديني في خدمة القرار السياسي. غير أن هذا التوظيف، في توقيته وسياقه، يثير أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة، خاصة حين يصدر عن مجرم يواجه اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، ويجد نفسه محاصرًا بفواتير دم ثقيلة لم تُغلق بعد.
اختيار "زئير الأسد" يحيل مباشرة إلى صورة توراتية مستمدة من سفر عاموس، حيث يرتبط زئير الأسد بفكرة الإنذار الإلهي الذي يسبق الضربة. في النص النبوي، الصوت ليس مجرد تهديد، بل إعلان عن فعل قادم لا مردّ له. إدراج هذه الاستعارة في خطاب عسكري معاصر يمنح العملية بُعدًا لاهوتيًا، كأنها ليست خيارًا استراتيجيًا خاضعًا للحسابات السياسية، بل امتدادًا لحتمية تاريخية مقدسة. هنا يتحول القرار من مساحة السياسة إلى فضاء العقيدة، ومن حساب الربح والخسارة إلى منطق القدر.
كما أن استدعاء عبارة "شبل الأسد" المرتبطة بوصف سبط يهوذا في سفر التكوين يعيد إنتاج رمز قومي راسخ في المخيال الصهيوني. "شبل يهوذا" لم يعد مجرد صورة شعرية، بل تحوّل إلى عنصر تعبوي يعزز سردية الدولة الوريثة لقوة تاريخية مقدسة. في لحظة حرب، يتحول الرمز إلى أداة نفسية تُقدّم الدولة باعتبارها مبادرة، مهاجمة، لا تدافع فقط عن نفسها بل تحقق "وعدًا" ممتدًا عبر القرون.
غير أن الأخطر هو التزامن الرمزي المفترض مع عيد البوريم، الذي يحيي ذكرى نجاة اليهود من "المؤامرة الفارسية" كما وردت في سفر أستير. حين يُستدعى هذا العيد في سياق مواجهة مع إيران، الوريث الجغرافي لفارس التاريخية، يُعاد رسم الصراع على أنه تكرار لحلقة قديمة من مواجهة وجودية. بذلك يتحول النزاع السياسي المعاصر إلى امتداد لصراع توراتي، ويُعاد تعريف الخصم ليس كدولة لها سياسات ومصالح، بل كوريث "الطاغية الفارسي" في المخيال الديني.
هذا المزج بين الرمزية الدينية والخطاب العسكري لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الداخلي الإسرائيلي. نتنياهو يواجه أزمة سياسية وقضائية عميقة، وضغوطًا دولية متزايدة بسبب الحرب في غزة. الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، والصور القادمة من القطاع، خلقت عزلة أخلاقية غير مسبوقة لإسرائيل في كثير من العواصم الغربية. في مثل هذا المناخ، يصبح التصعيد الخارجي أداة كلاسيكية للهروب إلى الأمام: نقل مركز الثقل من مساءلة عن الماضي إلى تعبئة حول خطر مستقبلي.
التاريخ السياسي مليء بأمثلة قادة سعوا إلى إعادة صياغة المشهد عبر فتح جبهة أوسع. حين تتراكم الفواتير الأخلاقية، قد يبدو توسيع رقعة الصراع وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، وتوحيد الداخل حول تهديد أكبر. في هذا الإطار، يمكن قراءة "زئير الأسد" ليس فقط كعنوان لعملية عسكرية، بل كإعادة تموضع سياسي: تحويل الأنظار من غزة إلى إيران، ومن المساءلة إلى التعبئة.
غير أن هذا المسار محفوف بمخاطر استراتيجية جسيمة. تحويل الصراع إلى معركة هوية وتاريخ يرفع منسوب الاستقطاب ويقلص مساحات التسوية. حين يُقدَّم القرار العسكري بوصفه امتدادًا لنص مقدس، يصبح التراجع عنه مكلفًا رمزيًا. كما أن توظيف الدين في سياق عسكري يُضفي على المواجهة طابعًا وجوديًا، ما يصعّب احتواءها ضمن قواعد الاشتباك التقليدية.
إقليميًا، يعمّق هذا الخطاب الشرخ بين ضفتي الصراع. فحين تُؤطر المواجهة بلغة توراتية، يتلقاها الطرف المقابل بوصفها حربًا عقائدية لا سياسية. وهنا تتعزز السرديات المتطرفة لدى الجميع، ويتراجع صوت العقلانية البراغماتية. النتيجة المحتملة ليست ردعًا محسوبًا، بل سلسلة تفاعلات قد تخرج عن السيطرة.
في المحصلة، يكشف خطاب "زئير الأسد" عن استراتيجية تتجاوز العسكر إلى هندسة الوعي. إنه توظيف واعٍ للرمز والتاريخ والدين في لحظة أزمة سياسية داخلية وضغط دولي. غير أن شرعية أي عملية عسكرية لا تُبنى على الاستعارة، بل على القانون الدولي ومبادئ العدالة. وحين تُثقل يد القرار بدماء مدنيين في غزة، يصبح استدعاء النصوص المقدسة محاولة لتغليف الواقع، لا لتغييره.
التاريخ يعلمنا أن الزئير قد يسبق الضربة، لكنه لا يمحو آثارها. فالهروب إلى الأمام قد يؤجل الاستحقاق، لكنه لا يلغي فاتورة الدم. وبين الرمز والسياسة، يبقى السؤال: هل يُكتب التاريخ بالأساطير، أم تُحاسبه الوقائع؟


