الأحد 03 مايو 2026
خالد أحمد الطراح
في الوحدة الوطنية، وفي نسيج مكونات المجتمع الكويتي، لا تكفي النبرة، مهما بدت مطمئنة، ولا تغني الأغلفة والشعارات الرنّانة، ولا الأناشيد والخطابات؛ فالمعيار الحقيقي هو الفعل الوطني المتأصّل في المجتمع والدولة، وفي طبيعة العلاقة بين الشعب والحكومة.
وحين كشفت بيانات أمنية عن خلايا متآمرة أو متمردة، ومخططات إرهابية تحمل ارتباطات كويتية بتنظيمات محظورة، كانت تلك مؤشرات لا يمكن تجاهلها، أو التهوين من دلالاتها.
لقد وضعت الجيوسياسية الكويت في قلب جوارٍ مضطرب، سياسياً واجتماعياً ودينياً، إلى جانب محيط إيرانيّ وعراقيّ ذي نزعات عدائية، أو مواقف يصعب الاطمئنان إليها، ضمن إقليم قابلٍ للاشتعال، تعج به التنظيمات الدينية المتطرفة والمسلحة، بل والجماعات الإرهابية.
نؤمن بالشراكة الوطنية في صناعة القرارات وصياغة السياسات، عبر جسور فكرية وثقافية، وتنوع سياسي، وقواعد دستورية راسخة، وضعها الآباء والأجداد منذ مجلس الشورى في العام 1921.
غير أن تعثر هذه الشراكة، أحيانًا بفعل فاعل- وأحياناً بسبب طرح شعبوي، وخطاب نيابي منحرف، وضعف حكومي ممتد لا متعاقب- لا يبرر إطلاقاً خيانة الوطن، ولا يشرعن التآمر على مقدراته، ومصالحه.
ومهما تعقدت العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبلغت حد الاحتقان، فإن ذلك لا يعني الانقضاض على الاستقرار السياسي، وسيادة الدولة، ولا يبرر استبدال الانتماء الوطني بولاءات طائفية أو دينية، أو الارتباط بجماعات إرهابية، مثل "حزب الله".
السلطة السياسية، ممثلة في الشيخ أحمد العبدالله ومجلس الوزراء، لم تقدّم حتى اليوم مشروعاً تنموياً واضحاً، ولا تحولاً ملموساً في مفاهيم المواطنة، والانتماء والولاء، سواء في البيئة التربوية والتعليمية، أو في الخطاب الديني والإعلامي.
الخطاب الديني مختطف، والخطاب الإعلامي مضطرب وضبابي، والكويت كما وصفها الوزير، السفير السابق الشيخ سعود الناصر الصباح، رحمه الله، "مختطفة".
لماذا أصبح التطاول على الذات الأميرية مادة انتخابية وإعلامية؟
ولماذا أخفق "مركز الوسطية" في تحقيق أهدافه؟
وهل جرى تحليل دقيق لظاهرة غير مسبوقة في "زحف" السلطة التشريعية على صلاحيات الحكومة خلال الفترة 2013–2020؟
ولماذا استثنت "جماعة الإخوان المسلمين"، في الكويت، دول الخليج من إدانة العدوان الإيراني على الكويت؟
المشكلة الحقيقية ليست في طرح الأسئلة - فهي مشروعة وضرورية- بل في غموض الاهتمامات الحكومية، وغياب الإجابات، أو الاكتفاء بردود إنشائية لا تلامس جوهر الخلل، مع تجنّب تسمية الأشياء بأسمائها.
نحن في مرحلة تحول سياسي استثنائية، لكنها لا تعفي من ترسيخ شراكة حقيقية بين الحكومة والمجتمع، لتقييم الثغرات في نسيجنا الوطني، وإعادة النظر في مفاهيم الانتماء والولاء، ومراجعة شاملة لما أفرزته الأحداث الأخيرة.
في مرحلة كهذه، لا يجدي التبرير؛ فالدول لا تُقاس بنواياها، بل بقدرتها على تشخيص الخلل ومواجهته بجرأة القرار، وشجاعة الاعتراف بحجمه السياسي، والاجتماعي.
المطلوب اليوم ليس خطابات مطمئنة، بل مشروع وطني واضح، يعيد تعريف المواطنة والانتماء والمراجعات العلمية على أسس صلبة، ويضع حداً لاختطاف المجتمع والدين، والإعلام والتعليم، ويستعيد هيبة الدولة بوصفها المرجعية العليا التي لا تُنازع.
الكويت أمام اختبار حقيقي: إما أن تبادر إلى مراجعة شاملة، وتُخضع الجميع - مؤسساتٍ وأفراداً- لمعيار وقيم الولاء للكويت وحدها، أو أن تترك الفراغ يتمدّد، وتدفع ثمناً أكبر في مستقبل لا يحتمل المزيد من الأخطاء.
الخلاصة: أن حماية الكويت لا تبدأ من حدودها، بل من داخلها؛ من وعيها، وتعليمها، وخطابها، وعمق رؤيتها. هناك فقط تُصان الدول، أو تبدأ في التآكل.

