محمد ناصر العطوان
دعنا نتحدث بصراحة يا عزيزي القارئ... لقد أفسدت الحداثة المشوهة مصطلح «المثقف» في أذهاننا، حتى باتت الكلمة تستدعي فوراً صورة ذلك الشخص المكتئب العابس، الذي يمسك بغليون أو فنجان قهوة مرة، وينظر للناس من علٍ... متشدقاً بمصطلحات معقدة لا يفهمها هو نفسه، وظيفته الأساسية هي التنظير واستعراض العضلات المعرفية في الفضائيات والمجالس والمقالات والصالونات الأدبية.
لكن، لو تركنا فلاسفة المقاهي مثل خيري ورشاد وبدوي جانباً، وعدنا إلى النص القرآني لنبحث عن مصطلح «المثقف» بلفظه المعاصر، فلن نجده، لم يرد في القرآن لفظ المثقف.
القرآن الكريم لم يستخدم هذه الكلمة الاستهلاكية، بل صاغ توصيفات أدق، وأعمق، وأثقل وزناً لهذه الشخصية؛ فسماهم: «أُولُو الْأَلْبَابِ» وهم أصحاب العقول الصافية التي لم تتلوث بالتعصب، و«الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»، ووضع لهم رتبة عليا أسماها «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ».
ومن خلال تتبع دقيق لهذه الأوصاف القرآنية، بعيداً عن ضجيج «باعة الكلام» وصناع المحتوى بالدولار، تبرز لنا الملامح الحقيقية للمثقف كما يجب أن يكون، وتكتمل صورته عبر خمس محطات رئيسية تكشف زيف مثقفي الأضواء:
1. الإنصات الواعي:
المثقف في زماننا هو كائن يعاني من «الصمم الاختياري»؛ فهو يستمع فقط لمن يطبل له، ويقرأ فقط ما يعزز انحيازاته المسبقة... أما المثقف في القرآن، فهو منفتح بشجاعة على كل مصادر المعرفة، يمتلك «فلتر» نقدياً دقيقاً، يسمع الآراء كلها، ثم يضعها على ميزان العقل ليفرز الغث من السمين ويتبع الأصوب.
يقول تعالى واصفاً إياهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «الزمر: 18».
2. التفكر العميق... لا «حشو» المعلومات:
بعض من يُحسبون على الثقافة اليوم هم مجرد «فلاش ميموري» (USB) بشرية؛ يمتلكون حشواً هائلاً من المعلومات الميتة لسردها في المجالس وكلوب هاوس ومنصة «إكس». في المقابل، المعرفة عند المثقف القرآني ليست تجميعاً للبيانات، بل هي «منهجية تفكير» مستمرة، تغوص خلف قشرة الأشياء، وتربط بين حركة الكون والحياة والإنسان بوعي مدهش.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلاً﴾ «آل عمران: 191».
3. الخشية والتواضع:
كلما قرأ المثقف المزيف كتابين، انتفخ كالطاووس وظن أنه أحاط بالكون خُبراً، وأنه أصيب بلعنة الوعي التي تجعله يرتدي نظارة يتعالى بها على البشر.
أما في المنظور القرآني، فالمعادلة عكسية تماماً... فكلما اتسعت مساحة وعيك، زادت خشيتك، وأدركت حجم جهلك ومحدودية عقلك أمام عظمة الخالق واتساع الكون... المعرفة القرآنية تورث صاحبها الانكسار والتواضع، لا الاستعلاء والغطرسة.
اقرأ إن شئت: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ «فاطر: 28».. وتأمل التذكير الإلهي الصارم: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ «الإسراء: 85».
4.هواة «الصيد في الماء العكر»:
المثقف «التريند» يعشق إثارة الجدل؛ يبحث عن المتشابهات، والغرائب، والآراء الشاذة ليصنع لنفسه هالة من الاختلاف، لدّي صديق قرأ كل تاريخ الشام ومصر وأوروبا بحثاً عن الغرائب دون أن يصقل ذلك في شخصيته أو تفكيره شيء... أما المثقف القرآني فهو «الراسخ في العلم»؛ جذوره ضاربة في الأرض، يمتلك رؤية كلية تمنعه من الغرق في التفاصيل الخلافية المربكة أو توظيف المعرفة لإشعال الحرائق الفكرية، بل يرد الفروع المعقدة إلى الأصول الواضحة ليصنع طمأنينة اليقين.
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «آل عمران: 7».
5. «الحكمة»... ذروة سنام الوعي:
القرآن يخبرنا بوضوح أن حيازة الشهادات العليا وتكديس النظريات ليسا ذروة الثقافة، بل الذروة الحقيقية تكمن في بلوغ مرتبة «الحكمة». والحكمة ببساطة هي أن تضع معرفتك في مكانها الصحيح، وأن تحول هذا المخزون العقلي إلى «سلوك راشد» ينفعك وينفع الناس، لا أن يبقى تنظيراً أجوف لا يطعم جائعاً ولا يبني وطناً.
يقول عز وجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: 269».
عزيزي القارئ، المثقف في شرع القرآن ليس كائناً صوتياً يزعجنا في وسائل التواصل، بل هو إنسان متواضع، واسع الأفق، ناقد بصير لا يخدعه بريق الكلمات، كما أنه شخص يربط بين الظواهر بعمق، ويترجم معرفته إلى حكمة في التصرف وخشية للخالق، مترفعاً عن الجدل العقيم واستعراض الذات.
وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل علم وثقافة لا يُراد بها وجه الله... تضمحل.

