مؤقّتًا، انجلت نسبيًّا غيوم التصعيد الأميركي الإيراني من سماء المنطقة، وهو ما يعطي فسحة تأمُّل سريعة لميزان الواقع والمتوقَّع.
الأمم المتحدة وحرمة قراراتها الضحية الأبرز. غاب صوت المنظمة الدولية عن ساحة التأثير، واكتفى قياديوها بتحذير هنا أو نصيحة هناك. العالم يعيش انطلاقة النظام العالمي الجديد.
خلال الأيام الماضية، انجرفت مواقف معظم السياسيين مع تيار التمنّيات بإسقاط النظام في إيران، وجافوا حقيقة أنَّ المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الكوارث، وهذا ما دفع المملكة العربية السعودية إلى قيادة تحرّك خليجي عربي دولي لتطويق طبول الحرب، والبحث عن أطر سلمية واقعية لنقل الشعب الإيراني من حال "تصدير الثورات" إلى حالة التعايش مع الجيران والعالم.
إيران ليست فنزويلا. وطنان من القذائف لن تنال من فكرة "العقيدة"، كما لن تُدمِّر سياج قومية "فارس"، وثمّة من لا يستبعد أن يكون النظام يحاول جرّ واشنطن إلى ميدان مواجهة "محسوبة المخاطر"، بهدف كسب التعاطف القومي العقائدي. تُدرك إدارة الرئيس دونالد ترامب هذه الحقيقة تمامًا.
ثم وثم، تاريخ العلاقة بين البلدين لم يعد يُخفي "الحبل السري" المتين بينهما في محطات مفصلية. ويكفي الإشارة هنا إلى أنَّه بعد حرب دامت ثماني سنوات بين بغداد وطهران، قدَّمت واشنطن لإيران بلاد الرافدين على طبق من "فصائل موالية".
في التقدير، المنطقة تعبر مخاض خارطة نفوذ النظام العالمي الجديد فيها. ما يجري في اليمن ليس ببعيد عن هذا التحوُّل، وما يجري في العراق أيضًا يدخل صلب التحوّلات الكبرى.
من هنا، أن يتنازل محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي الفائز الأوّل في الانتخابات، عن حقّه في رئاسة الحكومة لنوري المالكي، أمر لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام أمام متابعي مسار تشكيل النظام العالمي الجديد في المنطقة.
إن تكليف المالكي، إن تمّ، برئاسة الحكومة يعني أن مشروعًا كبيرًا قيد التنفيذ لنزع أسلحة الفصائل العراقية الموالية لإيران. يملك المالكي، رئيس حزب الدعوة، أدوات الميانة على الفصائل وإقناعها بدقّة المرحلة وخطورتها، ويملك أيضًا أكثر من غيره سبل الإقناع بأهمية المضيّ في مسار الاندماج السياسي بالعراق الجديد. وتُلخِّص أوساط سياسية عربية خطوة تكليف المالكي برئاسة الوزارة بالقول: "هذا يعني أن اتفاقًا إيرانيًّا أميركيًّا تمّ وسط صخب التصعيد على نزع سلاح الفصائل العراقية، وبالتأكيد طهران لا تقدّم فواتير مجانية".
إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في العراق، فعليك أن تعرف ماذا يجري خلف الغرف المظلمة بين واشنطن وطهران. مع الاعتذار للفنّان السوري الراحل نهاد قلعي، حسني البورزان، الذي ردَّد دومًا في مسلسل "صح النوم" السوري الشهير: "إذا أردت أن تعرف ماذا يحصل في إيطاليا، فعليك أن تعرف ماذا يحدث في البرازيل".
صح النوم يا عرب.


