قبل فترةٍ محدودةٍ مضت، قرأتُ ما كتبه أستاذُنا الكبير سمير عطا الله عن بلوغ صحيفة الأهرام المصرية، 150 عامًا على تأسيسها. ومن عاصمة المملكة العربية السعودية، (الرياض)، رأيتُ بأن أُشارك بكل اعتزاز صحيفة الأهرام المصرية العتيدة، وأسرتها وكتّابها هذه الاحتفائية، وبهذه المسيرة الاستثنائية التي لم تكن مجرد عمرٍ زمنيٍّ، بل تاريخًا متراكمًا من التأثير، وصناعة الوعي، وتوثيق الأحداث الكبرى التي شكّلت ملامح مصر والعالم العربي.
وكما تذكر المعلومات بأن هذه الصحيفة قد تأسست عام 1875، وبدأت كصحيفة ذات طابع اقتصادي، تواكب حركة التجارة والمال، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى صحيفة سياسية شاملة، أدركت مبكرًا أن الصحافة ليست ناقلًا للأخبار فحسب، بل شريكًا في صناعة الرأي العام. ومنذ ذلك التحول، أصبحت الأهرام شاهدًا مباشرًا على مفاصل تاريخية كبرى، من فترات الاحتلال والتحرر الوطني، إلى قيام الجمهورية، وحروب المنطقة، واتفاقيات السلام، والتحولات السياسية والفكرية التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط.
وعلى مدى عقودها، لم تكن الأهرام مجرد صفحات مطبوعة، بل مدرسةً صحفيةً متكاملة، تعاقب على رئاستها وتحريرها قاماتٌ تركت بصماتٍ لا تُمحى. فقد أسهم رؤساء تحريرها في ترسيخ المهنية والموضوعية، ورفعوا من سقف التحليل السياسي والفكري، حتى أصبحت الأهرام مرجعًا عربيًا يُحتكم إليه في فهم الأحداث، لا مجرد متابعتها.
أما كتّابها فقد شكّلوا عبر الأجيال نخبةً فكريةً وثقافية، كتبوا التاريخ وهم يعيشونه، وناقشوا قضايا الهوية، والنهضة، والعدالة، والسياسة، والثقافة، بلغةٍ رصينةٍ وعقلٍ نقديٍّ واعٍ. تركت مقالاتهم أثرًا ممتدًا “من ذاك الحين إلى اليوم”، وأسهمت في تشكيل وعي أجيالٍ كاملةٍ من القرّاء، وصنّاع القرار.
وما يميّز الأهرام حقًا هو قدرتها على التجدّد دون التفريط في الأصالة، فقد انتقلت من عصر الطباعة الكلاسيكية إلى العصر الرقمي، محافظةً على مكانتها وهيبتها، ومواكبةً لتغيرات الإعلام وأساليبه، دون أن تفقد جوهر رسالتها القائمة على المصداقية والمسؤولية.
وفي هذه الذكرى التاريخية، فإن الاحتفاء بـ الأهرام هو احتفاءٌ بالصحافة الجادة، وبالكلمة التي تصنع الفارق، وبمؤسسةٍ استطاعت أن تعيش قرنًا ونصف القرن، محافظةً على حضورها وتأثيرها. فكل التقدير لصحيفةٍ استحقت أن تُوصَف بأنها ذاكرة الوطن، وصوت العقل، ومنبر الأمة.
ختامًا، كل عامٍ والأهرام منارةً للفكر، وسجلًا للتاريخ، وقلمًا عربيًا لا يشيخ.

