: آخر تحديث
واشنطن تختطف مادورو وتضع استثمارات الصين المليارية في مهب الريح:

زلزال في الحديقة الخلفية

2
2
1

في عملية عسكرية استثنائية بدت أقرب إلى سيناريو فيلم هوليوودي، نفّذت القوات الأميركية إنزالاً خاطفاً في قلب العاصمة الفنزويلية كراكاس، انتهى باقتياد الرئيس نيكولاس مادورو مكبّلاً إلى الأراضي الأميركية، لمواجهة اتهامات تصفه بأنه قائد إرهابي مرتبط بشبكات المخدرات الدولية.

غير أن صدمة العملية لم تتوقف عند حدود فنزويلا، بل ارتدّت كموجة زلزالية عنيفة داخل أروقة المدينة المحرّمة في بكين، ومكاتب الكرملين في موسكو. فالمسألة لا تتعلق فقط بإسقاط حليف سياسي، بل تمثل زلزالاً جيوسياسياً حقيقياً يهدد بتبخّر استثمارات صينية تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، ويضع الوجود العسكري والنفطي الروسي في أميركا اللاتينية أمام سيناريو التصفية القسرية.

وفي وقت يشهد فيه العالم عودة صريحة وعنيفة إلى مبدأ مونرو الأميركي، الذي يعتبر نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري لواشنطن، تتحضّر الصين للرد عبر أدوات أقل صخباً وأكثر تعقيداً، سلاح الديون، والقانون الدولي، ومجلس الأمن. وهو ما قد يحوّل فنزويلا إلى ساحة صراع بالوكالة تعيد رسم موازين القوى العالمية خلال العقد المقبل.

استثمارات المليارات رهان صيني على حافة الهاوية
لطالما شكّلت فنزويلا رأس الحربة للمشروع الاقتصادي الصيني في القارة اللاتينية. فعلى مدى العقدين الماضيين، ضخّت بكين استثمارات مباشرة وقروضاً ميسّرة تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار، توزّعت على قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتعدين.

وبرغم تسديد جزء معتبر من هذه الديون عبر شحنات النفط الخام وفق اتفاقيات مقايضة طويلة الأمد، لا تزال الصين الدائن الأكبر لكراكاس، حيث تستحوذ وحدها على ما يقارب 85 بالمئة من صادرات النفط الفنزويلية، وفق أحدث الإحصاءات المتاحة.

من هنا، يتضح أن الصراع الحالي يتجاوز مفهوم تغيير النظام التقليدي، ليتحوّل إلى مواجهة مباشرة حول أمن الطاقة العالمي. فالولايات المتحدة، عبر إحكام قبضتها على كراكاس، تسعى عملياً إلى قطع شريان نفطي حيوي يغذّي الصناعات الصينية، وإعادة توجيه أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم لخدمة المصالح الغربية وإعادة ضبط الأسواق الدولية.

فنزويلا ملتقى محور الخصوم في الفناء الخلفي لواشنطن
لا تقتصر الأهمية الإستراتيجية لفنزويلا على بعدها الصيني فحسب، بل تتعزّز كونها تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى غرفة عمليات متقدمة لمحور دولي يضم روسيا وإيران، يسعى إلى اختراق الهيمنة الأميركية في عقر دارها.

الشراكة العسكرية مع روسيا
تُعد فنزويلا أحد أهم زبائن السلاح الروسي في القارة، ومركزاً لوجستياً مهماً لمنظومات الدفاع الجوي والتعاون العسكري. ويعني سقوط نظام مادورو خسارة موسكو لقواعد ومطارات استُخدمت في مناورات إستراتيجية، بما فيها زيارات قاذفات Tu-160، وهو ما يصنّفه مجلس العلاقات الخارجية الأميركي CFR كتهديد مباشر للأمن القومي الأميركي.

محور الطاقة الموازي مع إيران
في المقابل، لعبت فنزويلا دور الرئة الاقتصادية لإيران عبر مقايضات النفط الثقيل بالمكثفات البترولية، وتحديث المصافي، وإنشاء قنوات مالية وتجارية موازية لتجاوز العقوبات الأميركية، ما جعل كراكاس عقدة مركزية في شبكة الالتفاف على العقوبات الغربية.

رد بكين حرب باردة بلا مدافع
تشير التقديرات إلى أن الرد الصيني لن يكون عسكرياً، بل سيأخذ شكل حرب باردة قانونية واقتصادية، تشمل:

1. المعركة القانونية في نيويورك
تحريك جبهة دبلوماسية داخل مجلس الأمن لنزع الشرعية عن العملية الأميركية، ووصمها كقرصنة دولية، والمطالبة بالإفراج الفوري عن مادورو.

2. سلاح الديون والمقايضة
استخدام ملف الديون كورقة ضغط ضد أي سلطة جديدة في كراكاس مدعومة أميركياً، مع التهديد بالملاحقات القضائية الدولية وتجميد الأصول وتشديد الخناق الائتماني.

3. تأمين الجبهة الميدانية
تعزيز حضور الشركات الأمنية الصينية الخاصة لحماية منشآت الطاقة والمشاريع التقنية، وفي مقدمتها البنية التحتية الرقمية ومشاريع هواوي، من أي عمليات تأميم أو تخريب محتملة.

أوبك+ وأسواق الطاقة على صفيح ساخن
إن عودة فنزويلا بصفتها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم إلى الفلك الأميركي ستُحدث زلزالاً داخل منظمة أوبك+. فامتلاك واشنطن نفوذاً غير مباشر على الإنتاج الفنزويلي يمنحها قدرة على التأثير في الأسعار عبر إغراق الأسواق.

وبرغم أن هذا السيناريو قد يخدم المستهلك الغربي ويخفف الضغوط التضخمية، إلا أنه يوجّه ضربة قاصمة لاقتصادات الدول المصدّرة للنفط، وعلى رأسها روسيا وإيران، وربما يعيد تشكيل التحالفات داخل المنظمة نفسها.

المواجهة الكبرى وبداية حقبة جديدة
لم يكن اختطاف مادورو مجرد عملية أمنية لاعتقال مطلوب دولي، بل إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة التسلّل الناعم للقوى المنافسة داخل المجال الحيوي الأميركي، وبداية عودة القبضة الغليظة كأداة مركزية في السياسة الخارجية لواشنطن.

اليوم، تقف بكين وموسكو أمام اختبار وجودي، هل تقبلان بخسارة مليارات الاستثمارات والقواعد والنفوذ في كراكاس تجنباً لمواجهة مفتوحة؟ أم يتحوّل نموذج فنزويلا إلى شرارة تنقل الصراع من الكواليس الدبلوماسية إلى جبهات مشتعلة في بحر الصين الجنوبي أو شرق أوروبا؟

لقد طُويت صفحة المناورات السياسية في فنزويلا، وبدأ فصل جديد من كسر العظام الجيوسياسي، حيث لم تعد القوى الكبرى تكتفي بالمشاهدة بينما يُعاد رسم خريطة النفوذ العالمي فوق أكبر برميل نفط في العالم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.