: آخر تحديث

عن فراغ السلطة والصراع في إيران بعد سقوط النظام

3
3
3

في ظل استمرار انتفاضة الشعب الإيراني ودخولها أسبوعها الثالث، وتسارع الأحداث والتطورات فيها بصورة ملفتة للنظر، فإن هناك وجهات نظر وآراء مختلفة يجري طرحها في وسائل الإعلام المختلفة في العالم بشأن مسار ومستقبل هذه الانتفاضة. ومع أنه لا يمكن الرجم بالغيب، إلا إن السعي لقراءة وتفسير الأحداث الجارية بمنطق عمل ويعمل النظام الحاكم في إيران على تقديمه كلما وجد خطر الانهيار والسقوط يداهمه، مسعى لا يمكن الاعتماد والركون إليه.

عندما اندلعت الثورة السورية بوجه نظام بشار الأسد في عام 2011، وكان احتمال سقوطه وارداً، يومها صدرت العديد من التصريحات من جانب قادة النظام الإيراني، وفي المقدمة منهم حسن روحاني الذي كان رئيساً للجمهورية وقتئذ، حيث تحدثوا عن الفراغ والفوضى اللذين سيخلفهما سقوط النظام السوري وكيف إنه سينعكس سلباً على أمن المنطقة ويتسبب بفوضى.

الرأي المذكور الذي طرحته إيران يبدو إنه قد لقي استحساناً وقبولاً إقليمياً ودولياً، بالرغم من إن العالم كله كان يعلم بأن طاغية سوريا كان الحليف الأبرز لنظام الملالي وسكينته في خاصرة النظام العربي. لكن ما حدث بعد ذلك، عندما جرى غض النظر أو تجاهله عما يقوم به النظام الإيراني في سوريا، ولا سيما في عام 2013 عند بروز تنظيم داعش الإرهابي وما قام به في العراق وإعلان دولته، لم يكن ببعيد عن أصابع إيرانية وسورية وعراقية كانت قد ساهمت معاً في صنع داعش وجعله يصل إلى ما قد وصل إليه. وفي خضم ذلك برز النظام الإيراني كمحارب للإرهاب في شخص قاسم سليماني الأشهر من نار على علم، من حيث علاقته بالإرهاب وصناعته وتصديره وتوجيهه.

وسقط نظام الأسد، ولم يحدث ما كانت إيران قد حذرت منه في المنطقة، بل وحتى إنه، وعلى الرغم من نواقصه، لا يزال يبشر بالأمل. ولكن بعد أن استفاد النظام الإيراني كثيراً مما أشاعه عن سقوط نظام الأسد، فإنه وبعد أن بدأت نيران التغيير تشب في عقر داره، فقد جاء الدور لكي يهدد المنطقة والعالم من أن سقوطه سيترك فراغاً في السلطة لا يوجد هناك من يمكن أن يملأه، وذلك ما سيتسبب بفلتان أمني لا يمكن معرفة عواقبه.

هذا الرأي، الذي جرى طرحه بصورة عامة على أثر الاحتجاجات التي حدثت في إيران خلال الأعوام 2017 و2019 و2022، يتم التركيز عليه حالياً مع الاحتجاجات الحالية المندلعة منذ 28 كانون الأول (ديسمبر) 2025. وحتى إن الذي يلفت النظر هو وجود نوع من التناغم بين كتاب ومحللين سياسيين من المنطقة والعالم عن التأثيرات الخطيرة التي سيتركها سقوط النظام الإيراني.

مآل هذا الرأي هو إنه لا يوجد هناك من مناص من الرضوخ والقبول بنظام ولاية الفقيه كأمر واقع، وهذا يعني إصدار حكم قطعي سلبي على معظم النشاطات المعارضة. وكأن اعتراف منظمة الأمم المتحدة في قرارها الأخير الذي أصدرته بمناسبة إدانة انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، بمجزرة إبادة آلاف السجناء السياسيين عام 1988، والذين كانت الغالبية منهم أعضاء في منظمة مجاهدي خلق، لم يكن إلا مجرد هواء في شبك.

مجاهدي خلق لم تكن كأي معارضة إيرانية أخرى، بل إنها عاصرت الدكتاتورية الدينية الحالية كما عاصرت الدكتاتورية الملكية، ولها دورها وتاريخها العريق في مواجهة الاستبداد والممارسات القمعية. وكانت ولا تزال أكثر تنظيم معارض فعالية في تحركاته ونشاطاته ضد هذا النظام منذ الأعوام الأولى من تأسيسه. ومع أن النظام بنفسه يعترف بدورها في تنظيم وتحريك وتوجيه الاحتجاجات ضده، وحتى يعلن رسمياً عن اعتقال شبكات داخلية تابعة لمجاهدي خلق تعمل ضده ويجري إعدامهم، لكن هناك من خارج النظام من يرفض ذلك ويعتبره أمراً مغايراً للحقيقة.

السؤال هو، هل إن تنظيماً عريقاً تم تأسيسه في عام 1965، وله أفكاره وطرحه وتاريخه الطويل في مواجهة نظامين دكتاتوريين، ولا سيما الحالية منهما، حيث قدم قائمة طويلة من الضحايا داخلياً وخارجياً، لم يفكر بمرحلة ما بعد سقوط النظام الذي يدعو له منذ 46 عاماً، ولم يضع خطة أو برنامجاً لذلك؟

وهناك ملاحظة أخيرة أجد من المفيد ذكرها، ولا سيما وإن هناك من يروج لاحتمال حدوث صراع على السلطة بعد سقوط نظام الملالي. إذ إن مجاهدي خلق لم تبادر إلى إعلان القطيعة والمواجهة مع نظام الملالي إلا بعد أن تقطعت بها السبل، حيث عملت كل ما بوسعها من أجل ثني الخميني عن إقامة نظام دكتاتوري لا يتخلف عن سلفه إلا بالشكل. لكن النظام هو من بادر في إعلان الحرب ضدهم عندما رفض مطالبهم بحقوق ديمقراطية. ولذلك، وعند النظر إلى البرنامج الخاص بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، والذي تعتبر مجاهدي خلق عموده الفقري، فإنه يؤسس لمرحلة انتقالية تُجرى فيها انتخابات حرة لمن سيختارهم الشعب الإيراني بإرادته الحرة لبناء إيران المستقبل.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.