ترجّح العاطفة العربية رفض أي نقد أو رأي مغاير للمشهد الفلسطيني الراهن وحركة حماس تحديداً، في حين يستبيح تنظيم الإخوان المسلمين الدولي الأنظمة العربية كما فعلت قيادات جماعة الإخوان في الكويت حين شنّت حملة شعواء ضد السعودية بعد عملية الأقصى.
تنظر جماعة الإخوان المسلمين إلى عملية الأقصى بعين الانتصار العسكري والتفوق السياسي، وهي حقيقة لا يمكن إنكار بداياتها، لكن هل ما زالت الحسابات اليوم كما كانت قبل العملية وبعدها، علماً بأن الدول الخليجية والعربية علمت بتلك العملية؟
تغيّرت موازين العمل السياسي والإعلامي في الفترة الأخيرة، وتحولت القضية العربية إلى قضية فلسطينية إسرائيلية، ومن ثم تحوّل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع حمساوي إسرائيلي، وهو ما شجّع على التصفيق الإعلامي والتطبيل لجناح الإخوان المسلمين الفلسطيني والكويتي والدولي.
الذاكرة العربية مائية لدى البعض، من دون التعميم، وتميل إلى تجاوز الجانب السلبي لتاريخ حركة حماس وعمليات الانتقام البشعة التي مارستها ضد حركة فتح في الثمانينات، حين أقدم الحمساويون على رمي عناصر فتحاوية من فوق المباني.
كانت ولادة حركة حماس ولادة دموية، لكن صداها إيجابي عند تنظيم الإخوان الدولي، وفي الكويت تحديداً، باعتبارها الحضن الحنون والملاذ الأخير، بعد أن رفضتهم دول الخليج خاصة، وبلدان عربية عموماً.
سلطة حماس اليوم اختلفت عن ماضيها الانتقامي، فقد باتت حركة عسكرية وسياسية تتحكم في المفاوضات مع إسرائيل ومع العالم أيضاً، من دون مراعاة طبيعة الوساطات والمبادرات الخليجية في إنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة على وجه الخصوص، والمناطق المحتلة عموماً.
استغلت حركة حماس التصدّع في البيت الفلسطيني، والمقصود تحديداً في منظمة التحرير الفلسطينية، لتحل محل الممثل الشرعي، المنظمة، على الساحة الدولية، وتتحكم في صناعة القرار ومسار السلام في المنطقة.
في المقابل، لم تبادر قيادة منظمة التحرير المترهلة إلى البحث عن الحلول والتسويات مع حماس أو مع الأنظمة الخليجية المؤثرة في القرارين الدولي والإقليمي، بل بدا المشهد الفلسطيني أكثر تمسكاً بسلطة المنظمة من دون التحلّي بروح التنازل والتغيير في المنهج السياسي والإعلامي.
مزايدات فلسطينية فلسطينية من جهة، وتحالفات حمساوية مع مشروع طائفي إيراني من جهة أخرى، في حين يبقى الشعب الفلسطيني الضحية الأولى للصراع العسكري مع إسرائيل ولسياسات التجويع والحصار.
أصبحت حماس مُحدِث سلطة، وهو ما سعت إليه الحركة منذ عقود، سواء بصفتها حركة فلسطينية أو جناحاً من أجنحة الإخوان المسلمين المتحالفين مع الخمينية، وقد تحقق الحلم، وانحصرت قواعد اللعبة في يد حركة عسكرية ودينية مسيّسة.
ومن المعروف أن مُحدِث نعمة يميل إلى المظاهر الشكلية والبذخ لجذب الأضواء، من دون التفكير في كيفية تنمية النعمة الحديثة أو المحافظة عليها، بل في تبديدها.
وتُعد حركة حماس نموذجاً واضحاً لمُحدِث سلطة يتجبّر بالقرارات والسياسات من دون الالتفات إلى الوضع الإنساني والمعاناة البشرية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة وغيره.
ولا يعني الحديث عن مُحدِث سلطة تجاهل ثروات زعيم الخداع والغدر ياسر عرفات ورفاقه، الذين حافظوا على ثرواتهم وطوّروها، في حين يكتفي البعض بالثرثرة عن النضال الفلسطيني هنا وهناك.
ويظل تعبير مُحدِث سلطة بالغ الدقة، وقد صدر عن مرجع لغوي وسياسي وعروبي مخضرم.

