المشكلة هي أن الفكرة شيء، والتطبيق شيء آخر.
ولو تتبعنا تواريخ جميع الأباطرة الذين اشتهروا في التاريخ بالقتل الجماعي والتوحش والهمجية لوجدنا أنهم جميعاً مفوهون، يجيدون تدبيج الكلام المنمق الجميل عن الخير والعدل والفضيلة والنزاهة والشرف والضمير.
ولو كان يمكن منع الظلم بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، فقط، لوجدنا لحكماء البشرية والفلاسفة والمصلحين تماثيل تملأ الشوارع والميادين في جميع مدن العالم الواسع، ثم لما عثرنا على تمثال واحد لحاكم قاتل وشرير.
والمئات بل الآلاف من الكتاب المتنورين المتحررين من عبودية الطائفة والقبيلة والمدينة يكتبون منذ عشرات السنين عن العدل والحق والمساواة والعقلانية والوسطية وحقوق الإنسان، لم يتمكنوا من تحويل وضيعٍ واحد إلى شريف، وشيطانٍ إلى ملاك، وظالم إلى عادل، ومختلس إلى أمين.
والمقصلة، منذ أن تعلمت البشرية كتابة التاريخ، كانت هي حصة المعلم والفيلسوف والنبي والحكيم.
وكان الحق، في الوقت نفسه، لصاحب السيف والخنجر والسكين، ثم أصبح اليوم لمالك المفخخة والطائرة المسيَّرة، وقائد الميليشيا، وممول القاتل، ومسلح الانتحاريين، ومدرب الإرهابي، دون عقاب ولا حساب.
والشيء بالشيء يذكر. فقد شاءت مساوئ الصدف أن اجتمعنا، ذات مرة، بوزير من وزراء الزمن العراقي المر، فتطرق الحديث معه إلى المعارضة وبياناتها وأخبارها، ومقالات كتابها التي تتحدث عن المخالفات والجرائم التي يرتكبها رفاقه وشركاؤه في السلطة، فردَّ بعجالة، ودون أن يتروى، قائلاً "أنا لا أقرأ ولا أسمع ولا أتكلم. لا تشغلوني بهذه (الترهات)".
والحقيقة أن هذا الوزير لم يأتِ بجديد. فمنذ بدء الحضارة البشرية كان هناك حاكم ومحكوم، ظالم ومظلوم، وقاتل ومقتول، وسارق ومسروق. وأسوأ حاكم هو الذي لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا رأيه، والأشد سوءاً هو من يضع في بطانته أشطر وعّاظ السلاطين الذين يجملون له قبحه، ويحلّون له حرامه، وهم يعلمون.
ومنذ قديم العصور كان الشغل الشاغل للمفكرين والفلاسفة والأنبياء ودعاة اللاعنف أن يغسلوا أدمغة البشر من أمراض الأنانية وجنون التملك، وأن يمنعوا استعباد القوي للضعيف، والغني للفقير، والرجل للمرأة، والكبير للصغير.
ثم، بالمقابل، نشأت لصدهم ومنع انتشار أفكارهم جبهات ومنظمات ومؤسسات يقودها ويمولها متنفذون وحكام وبطانات وموالي، بهدف إبقاء الحال على حاله.
فبدءاً بالملك العادل حمورابي، مروراً بالمئات من الفلاسفة والكتاب والمصلحين الذين جاؤوا بعده وساروا على هديه، كان الجهاد قائماً من أجل تحقيق العدالة، وتثبيت حدودها، وبيان حقوق الإنسان، وواجبات الحاكمين والمحكومين.
وصولاً إلى سقراط الذي صاح في القرن 5 قبل الميلاد "أيها الإنسان اعرف نفسك". فقد أراد خدمة قومه فقتله قومه لأنه نادى بضرورة وجود شريعة أخلاقية أبدية.
ثم تلميذه أفلاطون الذي عاش ومات وهو يبحث عن الحكومة العادلة التي قال إنها لا تأتي عفواً، ولا بد لها من التمهيد والتربية والتعليم.
ثم كونفوشيوس الذي أقام فلسفته على القيم الأخلاقية، واشترط أن تكون الحكومة خادمة لشعبها.
ثم زرادشت وبوذا. ثم من جاء في عصرنا الحديث من فلاسفة وعلماء ومفكرين وعباقرة إنسانيين لم يتوقفوا عن الوعظ والتنوير دون جدوى.
إن كل هذه القامات العملاقة لم تخلق حكومة عادلة واحدة في العالم، ولم تمنع واحداً من أصحاب الرؤوس والقلوب الخالية من الرحمة والعدل والفضيلة من أن يصبح قائد أمة، وزعيم وطن.
ألم يولد فلاديمير بوتين، مثلاً، في ظلال الماركسية وقضى ثلثي عمره في دراسة رسالتها التي قامت على التبشير بسلطة الكادحين والعمال والفقراء؟ إذن كيف لم يعرق جبينه، ولم يرقَّ قلبه وهو يرسل العشرات من طائراته لترمي قنابلها الحارقة على مواطنين أوكرانيين عزل وأبرياء، وعلى مواطنين سوريين معارضين لنظام لا يقتل غير الكادحين والعمال والفقراء الذين كان بينهم رفاق له في الماركسية لم يفعلوا شيئاً سوى أنهم رفضوا الدكتاتورية والفساد والطائفية، وطالبوا بالحرية والعدل والسلام؟
شيء آخر. ألم يتفقه المرشد الإيراني، علي خامنئي، بحضارة الفرس العظيمة التي قامت على مبادئ زرادشت وتعاليمه؟ أو ألم يدرس ويتعمق ويتبحر، كما يزعم ويدّعي، في قيم ثورة الإمام الحسين على الظلم والظالمين وأهدافها؟ إذن كيف ينام ليله هانئاً قرير العين، بعدما كان قد أمر حرسه الثوري وقادة ميليشياته العراقيين واللبنانيين واليمنيين بالاغتيال، والقتل، والاغتصاب، والتهجير، ونهب الممتلكات؟ ألا يؤرقه أنين ضحاياه، ومنهم إخوة له في المذهب والعقيدة؟
شيء آخر. هل ردع فكر ميشيل عفلق الذي قام على أساس بعث الأمة من رقدتها، والدعوة لها بالوحدة والحرية والاشتراكية، الرفيق حافظ أسد، ثم ولده بشار؟ أم يقل، هو نفسه، إن صدام حسين هبة السماء إلى الأمة، حتى وهو يعلم بأنه أشطر من امتهن الخنق والشنق والحرق والتذويب بحمض الكبريتيك والأسيد والتيزاب، والأكثر عشقاً لنشر المقابر الجماعية التي ما زال عدد منها لم يكتشف إلى الآن؟
سؤال آخر. هل صحيح أنَّ العالم الغربي الديمقراطي المتحضر لا يعرف ماذا كان يجري في سوريا الأسد، وعراق صدام، ولبنان حسن نصر الله، ويمن الحوثي؟ ولم يعلم بإعدامات الولي الفقيه في إيران؟ أم إنه يرى ويسمع ويقرأ ولا يتكلم إلا حين يتمرد أو يتنمر ويرفض الوصاية؟
وهل إن مخابرات دول السياحة في الفضاء، بكل جبروتها، لا ترى في دكتاتوريات القرن 21 ما يهدد الأمن، ويصادر حقوق الإنسان؟
وهل صحيح أنها لا تعرف من يمول الإرهاب، ومن يسلحه، ومن يؤويه، ومن يتستر على قادته القتلة ويمنحهم الأمن والأمان؟
أمَّا نحن المقاتلين بالكلمات، فلن نمل، ولن نكل، وسنبقى نكتب لهم جميعاً، وإن كانوا لا يقرأون.

