: آخر تحديث

تربية الكراهيّة ضد الكُرد 

6
5
6
مواضيع ذات صلة

ما الذي يجري في دهاليز السياسة، وأقبية الإعلام المهووس بثقافة إلغاء الآخر، والتحريض عليهم؟ لا أدرى إن كان الكُرد في العراق من قبائل الهملايا أو من سكنة المريخ؟ فالمرء يندهش عندما يرى هذا " الإسهال" الإعلامي ضد إخوتنا الكُرد، والتحريض عليهم بطريقة عنصرية مخجلة. حتى صرت شخصيا أخاف أن يتحول هذا التحريض إلى منهج اجتماعي وسياسي يلازمنا إلى يوم الدين. 
"الكُرد" لهم قضيتهم، ومطالبهم في العيش المشترك، ولهم حق الحياة والوجود، وهم يناضلون وفق الدستور، والكثير منهم يريد أن يكون مواطنا عراقيا صالحا يشارك في بناء الوطن. وقد قالها كاكا "مسعود" و"نيجرفان" و" مسرور" على الملأ "نحن نؤمن إيمانا عميقا بان المسألة الكوردية يجب حلها في إطار العراق". فما الذي يجعل أبواق الأحزاب العراقية المريضة، وأجهزة الإعلام التابعة لها تأزم الأزمات أثناء اشتدادها، وتخلق من " الحبة كبة “، وتقتات على اغتيال الكُردي الطيب وتحطيمه، وإثارة الأحقاد ضده، وإشعال الفتن بطريقة انتقامية مقيتة.
لست كُرديا، لكنني كُردي بالمصير والإخوة والإنسانية، فلا أشعر بقوة مواطنيتي إلا عندما أتقاسم الحب والسعادة والأزمات معا، فنحن "كرد وعرب فد حزام". وبمنطق “نيجرفان" رئيس إقليم كردستان لا "يمكن وضع الحلول لمشاكل العراق ابدأ إذا لم نتخلص من القناعة البائسة التي تتصور بانه إذا كانت بغداد قوية هذا يعني ضعف أربيل ، أو بالعكس إذا كانت أربيل قوية فهذا يعني ضعف بغداد، نحن نكمل الآخر، بغداد وأربيل، الكورد والعرب هم مواطنو هذا البلد، علينا جميعا أن نحاول معا: إن نقوي مفهوم المواطنة لدى الفرد العراقي في هذا البلد، وأن نبني شراكة حقيقية لنتمكن في المستقبل معا أن نتشارك".
وإذا كان هذا هو منطق الكُورد بالوضوح والصراحة، فإن من واجب الدولة الاتحادية أن تبث روح الأمل بالشراكة، وتأسس بيئة إيجابية لهذا الخطاب، وتهيئ لطاولات تفاوضية منقوشة بالود والتفاهم بروح الدستور، وبعقلية المتحضر الذي يريد للجميع الانتصار بالحقوق والواجبات. لا أن تقوم بتجويعهم وقطع أرزاقهم، والمضي في خلق الأزمات معهم، والتنكيل بهم بالدعاية السوداء المصابة بداء الحقد، والمحرضة على الكره والتحريض القومي.
شخصيا، لست مستغربا لمثل هذا المشهد السوداوي المريض، لأن معظم الأحزاب العراقية، لاسيما الدينية منها، تعاني من أمراض مزمنة بحب السلطة والجاه والاستبداد، وهي وليدة فكر مريض، ومرتبطة بالقرار الخارجي، هدفها الاستبداد بالسلطة، والاستيلاء على مصادر القوة، واستخدامها في تشويه العلاقة بين الشعبين العربي والكُردي، وقطع أواصر القربى بينهما، وبناء جدارا من الحقد الأعمى لكي تنشأ عليه الأجيال الجديدة، بهدف إفناء الآخر ونفيه من الوجود.
سأكون صريحا، هناك أخطاء تاريخية في العلاقة والممارسات من الطرفين، وهو ما يعترف به كاكا "نيجرفان" في آخر لقاء له بالشرقية، ولكن هناك بيئة تحريض عالية المستوى يقوم به أعلام الأحزاب الدينية، وتربية إعلامية خطيرة على تشويه سمعة الكورد، وثقافة تحريض وكره ضدهم، وحملة إعلامية ممنهجة لخداع الجمهور العراقي وتضليله وزرع الكراهية ضدهم، والهدف هو الإقصاء والنفي والإبعاد والاجتثاث. 
علينا أن نعترف أيضا من باب الفضيلة، ان السياسة العراقية قد أفسدت الناس على مر التاريخ، لكنها في السنوات الأخيرة أصبحت وبالا عليهم، ومرضا مزمنا. فالناس اليوم يتقاتلون على القومية والدين والطائفة لصالح الأنظمة والأحزاب. فالعربي ينظر إلى الكوردي بأنه انفصالي، وصاحب مشروع خطير، والكوردي ينظر للعربي بأنه شوفيني وعنصري لأنه يمتنع عن إعطاء حقوقه. و" الشيعي" ينظر إلى " السني " باعتباره من "النواصب"، والأخير ينظر للأول "رافضي". الكل في دوامة الأزمات المستمرة، حيث يتفنن السياسي العراقي بإشعال نار الفتنة، ويزيدها حطبا أثناء الأزمات، لكي يتفرج عليها، ويحقق مصالحه الضيقة في إطار التسقيط السياسي والانتخابي.
ومع ذلك، هناك مشاهد ينبغي تسجيلها للتاريخ، فأكراد السياسة ينتصرون في شيم التسامح والتحضر على سياسي المركز، فقد تسامحوا مع "البيشمركه" الذين حاربوا مع النظام السابق ضدهم، تسامحا يليق بإنسانيتهم، بينما الأحزاب السياسية قادت حملات منظمة، وبحقد سادي، على رجال النظام السابق، بالقتل والتعذيب الجسدي والتهجير والاجتثاث، وقطع الأرزاق، وسرقة بيوتهم وممتلكاتهم.
من جانب آخر، أصبح أقليم كردستان، وبالذات أربيل، موطن النخب العلمية والثقافية والسياسية المضطهدة، مثلما أصبحت ملاذا آمنا للعوائل المهجرة، فشكلت الملايين من العراقيين، بأطيافهم وديانتهم وقومياتهم نسيجا اجتماعيا ملونا بالمحبة والتآلف. فترى أربيل تموج بالبشر من كل المدن العراقية بفسيفساء وموزاييك بألق جميل، حيث تحميهم خيمة التسامح والمحبة والعدالة والحكمة الكُردية من عواصف الحقد والطائفية والظلم والقتل.
بالمختصر الشديد، هناك تهييج مستمر ضد إخوتنا الكورد، وبيئة ملوثة بالتحريض والكراهية ضدهم، وهي تأتي في سياق تهديم الدولة العراقية، وتمزيق النسيج المجتمعي العراقي. وجعل الكل ضد الكل في أتون نار متّقدة لا تتوقف. ولن تتوقف في ظل شوفينية تهديم البشر والحجر! 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي