: آخر تحديث

التحرّر من القطيعة.. الجابريّ أنموذجًا..

7
7
6
مواضيع ذات صلة

منذ عشرينيّات القرن الماضيّ الميلاديّ بدأ بعض مفكِّري الحداثة العرب يتحرّرون من فكرة القطيعة مع المجال الفكريّ للماضيّ الإسلاميّ، وانخرطوا في اتّصال مباشر مع التراث، من خلال أفق معرفـيّ مختلف مصطحبين أدواتٍ من خارج التراث، ومنطلقين منها... وقد كان أولئك الحداثيّون العرب في عملهم هذا يهدفون لكسر احتكار قراءة الإسلام، وتراثه من قبل تيّارات يقدّم أهلُها أنفسَهم على أنّهم حرّاس الماضي، وسدنة المستقبل... وهنا بدأت قراءة التراث عبر أدوات من خارجه، وهي قراءة متقدِّمة ومرحلة مفصلـيّة حاسمة، أسهمت في جعْلِ التراث والعبور من خلاله مسلكًا للجميع، لا يسيطر عليه السلفيّون وحدهم، كما أنّها قراءة أسهمت في انكشاف وتعرّي الأدوات السلفيّة في الفكر والنظر، وهي أدوات لم تستطع مسايرة العصر الحديث، عصر المنهجيّات العلميّة، والنظريّات الكبرى.
بنى الجابريُّ امبراطوريـّة معرفيـّة، تعايش فيها النحو والفقه واللغة والبلاغة والكلام والسحر والتصوّف والفلسفة، وتجاور فيها الفلك والطبيعيّات والحكاية والخطابة والأخلاق والسياسة، واشتغل الجابريّ على ثمرات العقل العربيّ، وحلّل أسسها المعرفيـّة، وفحص آليات اشتغالها، ونقد مسلَّماتها ونتائجها... وكان الهدف الرئيس في أعمال الجابريّ يكمن في غاية واحدة تتمثّل في البحث عن الخروج من التخلُّف والتبعيّة، وتهيئة أرضيّة مناسبة لاستقبال قِيَمِ التحديث والتطوّر؛ دون استلاب ماسخ، ولا قوقعة مميتة.
تأثير الجابريّ تعدّى النخب المثقّفة إلى القارئ العاديّ، ولم يكن تأثيره مقتصرًا على تيّار دون آخر، وإنّما كان شاملا... والجابريّ في ذلك يشبه طه حسين في تلك السمة الفريدة، وإن اختلف عنه في كونه أكثر قبولا في الدوائر الأصولية والإسلامية؛ فقد صار الجابريّ وطرحه أقرب إلى الإسلاميين منذ نهاية الثمانينات الميلادية بعد أن رأى أنّ العلمانية لا تتناسب مع الإسلام، وأنّ طرحها في العالم العربيّ جاء استجابةً لمطالب مسيحي الشرق، وسعيًا للاستقلال من الدولة العثمانيّة؛ لكن: هل سعى الجابريّ لإرضاء التيّارات الإسلامية، وتخفّف من حضوره الأوّل الذي نفّر منه تلك التيّارات؟
هذا ما يراه علي العميم، أو مال إليه في تقديمه لكتاب الجابريّ: دراسة متباينة، الذي قدّمته دار جداول عام  2011م؛ فهل جاء ذلك على حساب المنهجيّة وأثّر فيها؟!
العميم لم يستطع أن يتجاوز كتاباته الصحفية، ولم يكن مستعدا للتعامل مع الجابري، وأفكاره، وأدواته؛ فاختار طريقة الإثارة الصحفية التي يحسنها، والتي تشكَّل بها!
وسماء الجابري وفضاءاته وإضاءاته أكبر من ذلك الاختزال المخلّ!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي