: آخر تحديث

الدولة الريعية

4
6
4
مواضيع ذات صلة

الدولة الريعية هو مصطلح في العلوم السياسية والعلاقات الدولية يشير الى الدولة التي تستمد كل او جزء كبير من إيراداتها الوطنية عن طريق تأجير الموارد المحلية لعملاء خارجيين. أستخدم مصطلح الدولة الريعية منذ القرن العشرين للإشارة الى الدول الغنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز، ولكنه يمكن ان يشمل دولا غنية بالأدوات المالية مثل العملة الاحتياطية، والدول التي تعتمد على الموارد الإستراتيجية، مثل القواعد العسكرية. (ويكيبيديا – الموسوعة الحرة). 

تحصل الدول على التمويل من مصدرين رئيسيين، أموال دافعي الضرائب أو من ريع المواد الخام، والفرق بين النموذجين جذري. في الدولة الريعية، يتمثل دور الحكومة الأساسي في جني أرباح المواد الخام الذي تحتكر حق استخراجه (النفط، المعادن، وسواها من مصادر توجد بشكلٍ طبيعي، لا ثمرة جهد أو إبداعٍ بشري) وتوزيعها على المواطنين. يأتي الريع من خارج الدولة، ولا يُساهم فيه المواطنون، لا بجهدهم كقوة بشرية ولا عبر دفع الضرائب. تتسم الاقتصاديات الريعية بتأثرها الشديد بالمتغيرات والتقلب الدائم لأدائها بين النمو والركود، الأمر الذي ينعكس على الاستقرار السياسي للدول التي تعتمد اعتمادا رئيسيا على عوائد الريع المتغيرة، بدلا من اعتمادها على الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج والمعرفة (أي التطور العلمي)، ومن ثم، تكون أكثر عرضة لعدم الاستقرار بسبب اندلاع الأزمات السياسية والاقتصادية فيها. وكذلك الحال في الدول المنتجة للنفط التي تعتمد بشدة على عائدات النفط، ونجحت في تحقيق طفرات، بفضل ارتفاع أسعار النفط، ثم وقعت في مأزق عند انخفاضها. 

وفقا للأطر النظرية التي تناولت نموذج الدولة الريعية، فإن الدولة تصاب بما يطلق عليه "لعنة الموارد"، خاصة الدول النامية المنتجة للنفط، إذ ساهمت إيرادات النفط في تحقيق طفرة من النمو لدى هذه الدول، من دون أن تصاحبها تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية، أو إصلاح سياسي ومؤسسي، فالدولة تعتمد في الحصول على مواردها على إيرادات النفط، من دون وجود إنتاج حقيقي، ومن ثم يكون اقتصادها معتمدا كليًا على سعر النفط، وتوظف تلك العائدات لكسب ولاء المواطنين الذين يتحولون إلى رعايا منتفعين بما توفره لهم الدولة من خدمات، فتتجنب ضغوطات الشعب ومطالبه، من خلال علاقة زبونية، تمنح الدولة شرعيتها للاستمرار في الحكم مع استمرارية ارتفاع مستوى معيشة المواطنين، وانخفاض الريع يهدد شرعية النظام واستقراره. وينتج من الريعية غياب المحاسبة والمراقبة والشفافية في ضوء عدم الاعتماد على تحصيل الضرائب من المواطنين، بوصفها موردًا رئيسًا للدولة، فضلًا عن الفساد في توزيع العائدات النفطية على الدوائر المقربة من السلطة الحاكمة، ومن ثم يتسبب نموذج الدولة الريعية في تعزيز السلطوية، وعرقلة الديمقراطية في الدول النامية الضعيفة مؤسسيًا.  

تقتضي عدم مساهمة المواطن في إنتاج الموارد أن تكون مشاركته معدومة أيضاً في إدارتها، حيث يعني احتكار الحكومة الريع بشكل مطلق، احتكارها السلطة أيضا وبشكل مُطلق، وتنشأ حالة من المقايضة بين المواطن والحكومة، تقوم على أن يقبل المواطن تفرّد الحكومة بالإدارة، في مقابل تمتّعه بمنافع دولة الرفاه، وتتحول الحكومة إلى الـمُوظِّف الأكبر للمواطنين في هيكل بيروقراطي ضخم وغير مُنتج، ومصدَر المنافع المجانية في التعليم والرعاية الصحية والإسكان، ويتحول المواطن إلى زبون لدولة الرفاه الذي يقتصر دوره على تلقي المنافع والهبات والامتثال للقرارات والسياسات الحكومية. 

أما القطاع الخاص، فيكون عالة على الحكومة التي تمثل مضخة الأموال الرئيسة فيه عبر المناقصات والمعونات والدعم المالي، وتتشكل أنماط ملتوية من الرأسمالية، مثل رأسمالية الدولة التي تقوم بخصخصة بعض القطاعات الضخمة، لكنها تظل مالك أغلب أسهمها أو كلها، أو رأسمالية الأقارب والأتباع والمحاسيب التي تكون نُخبتها الاقتصادية مجرد امتداد للنخبة السياسية وتحالفاتها ومصالحها وثرواتها. يكون هذا الوضع مريحا عموما للمواطن الذي لن يتوجب عليه بذل الكثير من أجل العيش، لكنه أكثر راحة بكثير للحكومة التي ستحكم سيطرتها المطلقة والمتحررة من الرقابة والمحاسبة على إدارة الدولة والـموارد، ومن دون أي اضطرار إلى الدخول في عمليات سياسية وشراكات ومفاوضات مع المجتمع وقواه. 

تقول "تيري لين كارل" في كتابها "مفارقة الوفرة": إن التحول عن نموذج الدولة الريعية يعني، بشكل أساس، تجزئة السلطة التي تحتكرها الحكومة، وتوزيعها بالتساوي على المواطنين ومفاصل المجتمع، وإذا كانت حكومات الدول الريعية تتطلع، تحت وطأة انخفاض أسعار النفط أو نضوب النفط، إلى "تنويع مصادر الدخل"، ولا تجد في ذلك أمراً مربكا (نظريا)، إلا أنها تنظر إلى الإصلاح السياسي اللازم لإتمام هذا التحول الاقتصادي، خطرا وجوديا يتهدّدها جذريا. لهذا، يجب أن يكون السؤال الأول أمام أي مشروع للتحول عن الدولة الريعية هو ما إذا كان السياسي قد اختار أن يتخلى عن هذا النموذج سياسياً، قبل أن يتخلى عنه اقتصادياً؟  

إن مصدر قوة الدولة الريعية هو إمساكها بمصادر الريع ومنابع الثروة، ومن هنا يكون الصراع ضاريا في هذا المجال، فالذي يتحكم فيه هو الذي يوزع الأرزاق، ويضمن الولاء والطاعة. لذا تكون الانقلابات العسكرية هي الوسيلة المثلى للإمساك بالسلطة والثروة، أو الملكيات المطلقة  التي تضمن توارث السلطة ومصادر المال. تقع معظم دول العالم الثالث، الذي من ضمنه العالم العربي، تحت هذا التصنيف، أي الدول الريعية. 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي