: آخر تحديث

كلا كلا أمريكا، فقط، لا غير

23
21
18

لم تكن عملية اغتيال قاسم سليماني في مطار بغداد يوم الجمعة ضربة في رأس النظام الإيراني، فقط، بل هي دعاية انتخابية داخلية بامتياز كان الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترمب يعرف أنها سوف تثلم سيف الديمقراطيين المسلط على رقبته، إن لم تكسره، ومغازلة انتهازية بلا حدود ومدروسة بعناية لشارع أمريكي واسع غير مسيس تهزه البطولات الشخصية المثيرة، حتى لو كانت أقرب إلى ممارسة القمار. والرئيس ترمب خبيرٌ في شؤون الميسر والخمرة ولحم الخنزير.

ومن بعد ضربة قاسم سليماني لن تعود إيران هي إيران التي نعرفها منذ أربعين سنة، ولا أمريكي هي أمريكا التي تحالفت مع إيران في أعقاب احتلال صدام للكويت عام 1990، وفي أيام غزوها للعراق واستعانتها بمعاونة النظام الإيراني ووكلائه في العراق2003، وحتى سقوط الرئيس اللين الهش باراك أوباما وفوز الرئيس الناعم الخشن الهمشري دونالد ترمب، وبدء النهج السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي الجديد في سنوات ترمب الثلاث.

فإيران اسماعيل قاأني، القائد الجديد لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ليست هي إيران قاسم سليماني، مهما ارتفعت حرارة الصراخ والهيجان في صفوف الحرس الثوري ومليشياته العراقية واللبنانية واليمنية، ومهما تصاعدت مزايدات التهديدات والمطالبات بالثأر لقاسم سليماني من قاتله.  

ولا أمريكا ترمب ما قبل اغتيال سليماني هي أمريكا ترب ما بعده. فقد أصبح ترمب محكوما، بما كسبه من حماس الشارع الشعبي الأمريكي الانتخابي في تأييده وتشجيعه على مزيد من العنف في الرد إذا ما حولت إيران تهديادتها الانتقامية إلى واقع أيا كان وأينما وكيفما سيكون.

وتهديد ترمب بضرب  52 موقعا إيرانيا حيويا، بينها أماكن تاريخية، ترجمة عملية لواقع أمريكا الجديد الذي استبدل سياسة المهادنة والتحذير الكلامي عن طريق أطراف ثالثة وسيطة، منها قطر وروسيا وسويسرا وعمان، بسياسة الردع الموجع السريع. وبالنص أعلن ترمب عن رصده لـ 52 موقعا قال إننا سنضربها بسرعة كبيرة وبقوة كبيرة إذا هاجمت طهران أهدافا أو أفرادا أميركيين، موضحا أن بعض تلك المواقع هي "على مستوى عالٍ جدا، ومهمة لإيران والثقافة الإيرانية.​
ويبدو أن النظام الإيراني قد فهم الرسالة، وقدر مدى خطورة التهديد، والدليل أنه جعل كبار قادة الجيش الإيراني والحرس الثوري والوكلاء العراقيين واللبنانيين، بشكل خاص، أكثر اهتياجا وانتفاضا وعصبية.

ويكاد يجمع الخبراء العسكريون الاستراتيجيون العالميون على أن خيارات إيران محدودة. فهي في وضعها الاقتصادي الصعب ومشاكلها الاجتماعية والسياسية والأمنية الداخلية، وتدهور الأوضاع التمويلية الخاصة بالمليشيات الخارجية التي أسسها قاسم سليماني وبالغ في توسيعها وتسليحها وتجهيزها، لم تعد مطلقة اليد في ممارسة القرصنة السابقة في الخليج، ولم يعد في قدرة مليشياتها العراقية واللبنانية التي ألمح أكثر من قائد عسكري إيراني كبير إلى أنهم يوكلون إليها مهمة الرد على اغتيال سليماني، أن تمارس ما كانت قادرة على ممارستها بعد ضربة مطار بغداد وتهديد ترمب المخيف الجديد.

ومعروف أن قائد الجيش الإيراني، وقائد فيلق القدس الجديد قد هددا بـ  "ردٍ قاسٍ في الزمان والمكان المناسبين" على اغتيال سليماني. وعدم تنفيذ هذه التهديادات، وهذا ما هو متوقع، سيكسر ظهر النظام ويكشف الغطاء عن تخبطه وعجزه وضعفه ويجعله أسدا مريضا وبلا أظافر ولا أنياب، وهو ما يراهن ترمب على أن الشعب الإيراني سوف ينتهز الفرصة وينقلب على النظام.

وقد كانت أولى بوادر الهشاشة السياسة الإيرانية في العراق، حيث تولى قادة المليشيات العراقية الموالية لإيران جمع نواب البرلمان المعينين من قبل قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس وهادي العامري وقيس الخزعلي وإجبارهم على إقرار قانون إنهاء مهمات قوات التحالف الدولي في العراق، رغم أن القاصي والداني يعلم بأن اتخاذ مثل هذا القرار سهل، ولكن تنفيذه يحتاج إلى حكومة وطنية حقيقية قادرة على تحويل (الحبر على الورق) إلى واقع على الأرض، بسرعة ودون انتظار.

رغم أن الاتفاقية بين أمريكا والحكومة العراقية تنص على أن "إنهاء العمل بالاتفاقية يتم بإخطار خطي من أحد الطرفين، " و"يسري مفعول الإنهاء بعد عام واحد من تاريخ مثل هذا الإخطار".

إذن فجلسة البرلمان وما تخللها من غوغائية هي البداية الحقيقية لحرب النظام الإيراني بالهتافات والكلام العابر الفاضي. 

والمهم أن ما أثبته اجتماع البرلمان الإيراني العراقي، تحتتهديد سلاح حزب الله العراقي، هو أن الفرز أصبح واقعا ملموسا ونهائيا بين إيران وأحزابها من جهة، ومن جهة أخرى بين الشعب العراقي الذي لم يعد يحترم البرلمان ولا الحكومة، ويناضل من أجل إسقاطهما وإعادة الوطن إلى أهله معافى من جديد.

وما الهتاف الغوغائي المعيب الذي ردده (نواب الشعب)داخل قبة البرلمان: "كلا كلا أمريكا" يعني أيضا: "أهلا أهلا يا إيران"، وهذه هي العمالة والخيانة على المكشوف.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي