: آخر تحديث

وقاحة قمع الانتفاضات السلميّة تُحرج أوروبا وتُريح روسيا

3
4
3

رهان القيادات الإيرانية والحليفة لها أثناء الأسابيع القليلة حتى آخر السنة يقع على معادلة القدرة على الاحتمال ونقيضها الوهن. داخل إيران، في العراق، وبالذات في لبنان، ان أولوية النظام في طهران هي إنقاذ النظام مهما كان الثمن وبأية وسائل قمع ممكنة لمنع إثمار الانتفاضات الثلاث. روسيا ما زالت متمسّكة بحليفها الإيراني وواثقة من وعوده بأنه هو الضامن الوحيد لعدم تفشّي اللااستقرار، لذلك ان موسكو غير مستعدّة لإعادة النظر في سياساتها التي تنصبها شريكاً في قمع المظاهرات - بالذات داخل إيران وفي لبنان. الجديد هو التحوّل في المواقف الأوروبية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ونفاذ صبر الأوروبيين من الانتهاكات الإيرانية ليس فقط للإلتزامات بموجب الاتفاقية النووية JCPOAوإنما نفاذ الصبر من التجاوزات والإجراءات الإيرانية كتلك التي يمارسها أفراد من "الحرس الثوري" الإيراني في إدارة مباشرة لعمليات الشغب وإثارة الطائفية والدموية في وجه المظاهرات السلمية في لبنان، وذلك من مواقع لهم في سوريا وفي البقاع. نفاذ صبر الأوروبيين جعل دول مثل المانيا تقترب أكثر من المواقف الأميركية التي سبق وعارضتها – وهذا يثير غضب وخوف القيادة الإيرانية. ما نشرته صحيفة "دير شبيغل" قبل أيام عن طلب وزارة الداخلية الألمانية من المدعي العام فتح تحقيق في نشاطات "حزب الله"، وعن اتفاق داخل حكومة برلين يقضي بحظر نشاطات "حزب الله" في المانيا الأسبوع المقبل والاتفاق على معاملة المنتمين لـ"حزب الله" كما تُعامَل عناصر من "داعش"، خبر صحيح ودقيق ومهم. السفير الأميركي لدى برلين، ريتشارد غرينيل Grenell، عمل لسنة ونصف على إقناع الأوروبيين بالاقتراب من المواقف الأميركية ازاء التجاوزات الإيرانية وممارسات "حزب الله". بصماته واضحة على هذا الاتفاق الذي من المتوقع ان تُعلن عنه الحكومة الألمانية رسمياً - وهذا يثير قلق وامتغاض طهران. فالقيادة الإيرانية بذلت جهداً مع الدول الأوروبية كي تقنعها بإعفاءات من العقوبات الأميركية التي طوّقت النظام، لكنها صُدِمَت بامتناع الشركات والبنوك الأوروبية من التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية خوفاً من عقوبات أميركية عليها. هذه القيادة تهدد الأوروبيين حيناً وتبتزّهم حيناً آخر ثم تلين تارة وتصعّد تارة أخرى، وذلك لأنها تُدرك أن انضمام الأوروبيين الى المواقف الأميركية سيزيد من عزلة إيران. الجديد هو اضطرار القيادة في طهران الى الاختيار بين إرضاء الأوروبيين عبر الإحجام عن كبح وقمع الانتفاضات في إيران والعراق ولبنان، وبين إنقاذ النظام من الانهيار. المصادر المقرّبة من صنّاع القرار في إيران نقلت عنهم عزمهم على رفض الحوار مع المتظاهرين داخل إيران وقطع الطريق، بكل وسيلة متاحة، على تحوّل المظاهرات المتفرقة الى مظاهرات شعبية مترابطة  Mass protests في كل أنحاء إيران. نقلت عنهم اقتناعهم ان المظاهرات في لبنان في طريقها الى الزوال والاضمحلال في غضون أسابيع قليلة بسبب الاستنزاف والإنهاك وإثارة الرعب من أعمال الشغب وتحويل الساحة الى شعبٍ ضد شعب بموجب تعليمات القيادات العسكرية والاستخبارية الإيرانية المباشرة. نقلت عنهم ان التشدّد والتشبّث والتصعيد ورفع السقف هو عنوان قرار المرحلة في طهران.

المصادر الأوروبية تخوّفت من عمليات إيرانية في منطقة الخليج على مستوى وبنوعية العمليات ضد "أرامكو"، الى جانب مخاوفها من رفع مستوى قمع المظاهرات داخلياً وتعمّد إسقاط صفة السلمية عن الثورة اللبنانية عبر إجراءات مدروسة تدبّ الفوضى وتسبّب الانهيار وتثبّت سلطة "حزب الله" على البلاد. "يجب أن نحمّل إيران المسؤولية"، قال مسؤول ألماني شرط عدم ذكر اسمه "فهذه إجراءات ستؤثر بالضرورة على علاقاتنا".

برلين مستاءة أساساً من التهديد والابتزاز الإيراني لألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أي الدول الأوروبية الثلاث الموقِّعة على الاتفاقية النووية، وهي تعتبر ان الوقت حان للتحدّث علناً عن الانتهاكات الإيرانية لهذه الاتفاقية JCPOA بدلاً من التغطية عليها إنقاذاً لما تبقّى منها. ولم يتبقّى الكثير. بل ان هذه الاتفاقية التي مزّقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يعد في الوسع إعادة إحيائها، كما كان يأمل الأوروبيون، وذلك بسبب عدم قدرة الدول الأوروبية على إجبار شركاتها بتلك الآلية المالية، "انستكس"، التي كان هدفها تشريع إعفاءات من العقوبات سيما لبيع النفط الإيراني، من جهة. ومن جهة أخرى، بسبب الإجراءات الإيرانية، النووية والصاروخية، التي تساهم في دق المسمار الأخير في تلك الاتفاقية عبر "تجويفها".

ما تقوم به القيادة الإيرانية نحو المظاهرات في إيران والعراق ولبنان يثير الامتغاض في صفوف صنع القرار في المانيا التي لطالما تعاطفت مع المواقف الإيرانية تقليدياً وسعت وراء حماية الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدفاع عنها. اليوم، ان الأمر يختلف على الصعيد الحكومي. قد يستغرق التغيير الوقت لأن الرأي العام غير مهتم. لكنّ اضطرار "الحرس الثوري" الى إجراءات قمع نوعية في الداخل الإيراني وفي العراق وفي لبنان هو الذي قد يؤدي الى حشد الرأي العام الألماني والأوروبي ضد فكر وفعل النظام في طهران والقائم على السلطوية والتوسعية.

مصدر أميركي وثيق الإطلاع على مواقف الرئيس ترامب نقل عنه انزعاجه من محاولات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إقحام نفسه تكراراً بصفة الوسيط بين الرئيس الأميركي ونظيره الإيراني حسن روحاني بإيحاءات ووصفات لها علاقة بتوقيتٍ من ذهنه لرفع العقوبات. قال "لسنا في حاجة الى فرنسا لتلعب دور الوسيط. هذا موقف الرئيس ترامب. لن نتوقّف عن فرض العقوبات. ونحن على استعداد للتحدّث مع الإيرانيين حول تغيير سلوكهم ولن نتحدّث بشروط رفع أو تخفيف العقوبات".

إدارة ترامب ماضية في اعتماد العقوبات أداةً حادة لترويض النظام في طهران، ولعزله واحتوائه ومعاقبته إذا استمر في رفض إصلاح منطِقه. فإذا ازداد الضغط الأوروبي على النظام بسبب قمعه المظاهرات السلميّة داخل بلاده وفي دول سياديّة يفرض فيها جيوشه غير النظامية، ستزداد عزلته وتتعمّق أزمته المالية. والسؤال هو: ماذا سيفعل أركان هذا النظام؟

بحسب مصدر مطّلع على التفكير في صفوف "الحرس الثوري" في طهران، هناك قرار الآن "بتخفيض" نسبة النشاطات الإيرانية في اليمن من أجل التركيز على مواقع المصاعب، أي، العراق ولبنان حيث يواجه "الحرس الثوري" تحديات وجودية له ويصرّ على عدم التفريط بأذرعته المهمة – "حزب الله" في لبنان، و"الحشد الشعبي" في العراق.

بالنسبة للعراق، يبدو الوضع في غاية التعقيد والصعوبة بالنسبة لطهران حيث لا يوجد ذلك الضوء في نهاية النفق وسط المظاهرات وارتفاع نسبة القتلى والجرحى. العراق يشكّل مصدر عناء كبير الآن للقيادة الإيرانية التي ستستمر في النزيف للعراق ولنفسها بسبب عنادها وتمسكها بعدم السماح للعراق أن يكون دولة طبيعية. منطق النظام في طهران لا يسمح بفكرة سحب الأيادي الإيرانية من العراق ولا يسمح بفكرة تسريح "الحشد الشعبي" ليصبح جزءاً من المؤسسة العسكرية لتكون وحدها صاحبة الشرعية في العراق. لذلك، ان النزيف مستمر والاستنزاف مستمر والخطر من اندلاع مواجهة عسكرية أميركية – إيرانية وارد، أما بقرار متعمَّد من القيادة الإيرانية لاستدراج ترامب الى المواجهة، أو بموجب خطأ يصيب القوات الأميركية في العراق.

على صعيد لبنان، تعتقد القيادة الإيرانية ان حال الأزمة والنزاع لن يدوم لأكثر من شهر، وان المظاهرات ستنتهي في غضون ثلاثة أسابيع بسبب الإنهاك ووصول الأمر الى حائط مسدود. ما تراهن عليه القيادة الإيرانية هو اضمحلال القدرة على التحمّل بين المتظاهرين فيما يلعب رجال السلطة لعبة انتظار هلاك شباب ونساء وأطفال الثورة السلميّة ويرضخون للتعليمات الإيرانية بقمع انتفاضة اللبنانيّين على استبدادهم.

روسيا استنتجت ان ما عليها سوى الانتظار لأسبوعين أو ثلاثة ريثما تنفّذ القيادة الإيرانية وعدها بمنع الثورة اللبنانية من تحقيق أهدافها، انطلاقاً من رفض السماح بحكومة تكنوقراطية وانتهاءً بتثبيت وتعزيز سلطة "حزب الله" في لبنان بمساعدة جذرية من رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل وكذلك رئيس البرلمان نبيه برّي – وربّما بمساعدة رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري إذا رضخ لإصرار هؤلاء الرجال والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله على التمسك به كدرع الأمر الواقع وكسفينة خلاص لعودة المياه الى مجاريها.

روسيا تدرك انها غير قادرة على التأثير في مجرى الأمور في لبنان بصورة مباشرة، ولذلك انها تستثمر كلّيّاً في "تمكين إيران من فرض الاستقرار في لبنان، لأن هذا منطقي في نظرنا" حسب مصدر روسي مطّلع.

الولايات المتحدة نجحت في ضمان عدم هرولة فرنسا الى تقديم المعونات المالية الى حكومة "التسوية" التي كانت عبارة عن قيادة "حزب الله" وحليفه "التيار الوطني الحر" – عون وباسيل –فعليّاً وشموليّاً إنما في مركبة يبدو ظاهرياً أن قبطانها "تيار المستقبل" في شخص سعد الحريري. حتى الآن، نجحت واشنطن في ضمان الدعم الأوروبي لمطلب الثورة اللبنانية بأن تكون الحكومة مؤلفة من أخصّائيين وليس من سياسيين تابعين لرجال السلطة التقليديين تحت أمرة "حزب الله" و"الحرس الثوري" في طهران.

الوضع الآن في غاية الدقة والصعوبة والامتحان والبعض يعتقد أن هذه مرحلة "عض الأصابع". واقع الأمر هو ان في حال نجاح إيران ومعها روسيا في قمع الثورة اللبنانية، سيعود رجال السلطة في لبنان الى الحكم ليستفحلوا ويُلقنِوا دروساً للذين تجرأوا على مساءلتهم ومحاسبتهم وليتحكموا بالناس.

الدول الغربية بدأت تدرك أن مفتاح حماية لبنان من الفوضى والانهيار التام هو في الضغط على طهران واتخاذ اجراءات عقابية ضدها وضد "حزب الله" وحلفائه في لبنان. لعل إجراءات المحاسبة ستستغرق بعض الوقت. لذلك من الضروري الصبر والمثابرة وإثبات القدرة على التحمّل والتفكير ببراغماتية واستراتيجية، إذا كان لهذه الثورة البقاء على قيد الحياة لتحقيق أهدافها النبيلة. أما روسيا، فيجب احراجها أمام شعبها وعبر رفع الشعارات التي تفضح مواقفها ضد الناس باستدعاءٍ فاجر للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تضمن لموسكو الاستقرار في الجمهورية اللبنانية، بكل وقاحة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي