: آخر تحديث

نصيب الفرد من فساد المال العام

8
7
8
مواضيع ذات صلة

"الفساد والإنسان سيان لا يختلفان".

تمتلئ هذه المقولة بالكثير من التشاؤم بالنسبة لأولئك المثاليون الذين يتصورون سلفاً خلو الإنسان من النزعة التسلطية وحب الاستغلال والاستيلاء على مقدرات وموارد الغير. فهم لا يعبئون بقياس الفارق الذي يُحدثه أدنى الفساد على معيشتهم خاصةً مع أمانهم على ما بحوزتهم من موارد. ففي لحظة الأمان هذه، لا يدخل ضمن حساباتهم ما كانوا جديرين حقاً بحيازته لولا الفساد المتخفي، والذي لا يلاحظه الفرد بينما تلاحظه المقاييس التي تُعنى بقياس الفساد. 

فخبر يومي كمحاسبة مسؤولين بتهمة الفساد بالمال العام يمر مرور الكِرام علينا وكأننا نشاهد "مانشيت" لتطبيق قانون الجرائم بحق مجموعة مسؤولين فاسدين، بينما الواقع خلاف ذلك. ففي حقيقة الأمر لم تكُن تلك الأموال مسلوبة من الدولة فحسب، بل مسلوبة ومنتقصة أيضاً من الحلقة الاقتصادية وبالتالي من نصيب كل فرد كان في وسعه المشاركة قليلاً أو كثيراً في مقدارها. فلو أخذنا آخر المؤشرات تداولاً في محيط كل منا بشأن انخفاض معدلات دخل الفرد، أو انخفاض معدلات الانفاق على السلع أو حتى على الرفاهية العامة، لنمى إلى علمنا أن قضايا الفساد من بين أكبر العوامل التي أثرت على ذلك الانخفاض، وإن كانت المؤشرات الرسمية لا تتطرق إليه غالباً. 

فمليون دولار فقط ينهبها مسؤول واحد، يفقدها في المقابل عمل ضخم في الحلقة الاقتصادية. فهذا المقدار يمكنه تشغيل مجموعة مصانع صغيرة يعمل بها مئات الأفراد. وبهذا المقدار من المال أيضاً يمكن إنتاج آلاف السلع وبيعها وشراءها والانتفاع بها من قِبَل آلاف الناس. وفي وسع هذا المقدار نفسه تأسيس عدة مؤسسات تنموية صغيرة، وقِس على ذلك عشرات الاتجاهات المختلفة لتدوير وتشغيل تلك الأموال. فماذا إذا كان مقدار ما ينهبه المسؤولين مئات الملايين من الدولارات وليس مليوناً واحداً؟ 

وعادةً ما يقال بأن الفقر يدعو للفساد بينما يعمق الفساد الفقر. فعملياً تتجلى نتائج الجزء الأخير من هذا القول في الوضع الاجتماعي الواقع تحت نيران الفساد العام. ففي معظم الدول العربية والإسلامية "وهي الأسوأ في قضايا الفساد"، يُعادل مجموع ما يتم نهبه والاستيلاء عليه من الأموال العامة سنوياً، المقدار الكافي لرفع المستوى المعيشي لشريحة كبيرة من الفقراء من حد العوز إلى الحد الأدنى لمستوى الحياة الكريمة. يعني ذلك على سبيل المثال، أن الفرد "من شريحة الفقراء" الذي يقل دخله عن 150 دولاراً في الشهر، سيرتفع إلى 350  دولار في الشهر فيما لو جرى توزيع الأموال التي ينهبها الفاسدين على شريحة الفقراء في أي دولة نامية. 

والجدير بالذكر بحسب الكثير من الإحصائيات الدولية كتقارير البنك الدولي، أن ما لا يقل عن مليار شخص حول العالم يقل دخل كل فرد بينهم عن 33 دولاراً في الشهر، بين تلك الأعداد نسبة لا يُستهان بها في مختلف الدول العربية. 

أعود للقول بأن كل دولار مسروق يسلب الفقراء فرصاً متساوية في الحياة ويمنع الحكومات من الاستثمار في رأس مالها البشري. هذا صحيح دائماً لأن كل مقدار يتم نهبه من المال العام يعني فقدان الدورة الاقتصادية والحركة التجارية لهذا المقدار بالتحديد. ما ينعكس على حرمان كل فرد كان جديراً بهذا المقدار لولا استيلاء الفاسد عليه. فهل نتصور كيف يدمر فاسداً واحداً فقط حياة آلاف الناس؟   

لسنا من بين العالم أجمع الأقل حظاً في علوم مكافحة الفساد، ولكن ربما الأكثر حظاً في سوء تطبيق تلك العلوم.  


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي