وفّر تدفق عشرات ألوف المهاجرين المغاربة إلى جيب سبتة الإسباني الأسبوع الماضي، مادةً دسمة لجماعات اليمين المتطرف في أوروبا، كي تعيد إحياء أجنداتها المناهضة بقوة للهجرة والبناء عليها لكسب مزيد من المؤيدين ورص الصفوف للانقضاض على السياسات المعتمدة من الحكومات.غرقت المسألة برمتها في السياسية والتسييس، بينما كان يمكن أن تكون عنواناً إنسانياً بالدرجة الأولى لشباب عاطل عن العمل، ويعاني يأساً مطلقاً من إيجاد وسائل للعيش الكريم في بلده، ففضل أن يعتلي مراكب الخطر بحثاً عن ملاذ في بلاد أخرى. وحتى الحكومة المغربية المعنية الأولى بما جرى، ألقت باللوم على مافيات الاتجار بالبشر والتضليل الذي استخدمته وسائل التواصل الاجتماعي، التي غررت بالشباب بوعود زائفة ودفعتهم إلى خيار الهجرة الجماعية بوعود كاذبة.لم تلبث تلك المغامرة، أن انتهت بتحطيم آمال الشبان الذين ظنوا لوهلة أن عبورهم حواجز سبتة سينقلهم إلى النعيم. لقد لقي عشرات منهم حتفهم غرقاً وأعادت السلطات الإسبانية الباقي إلى المغرب. لكن صورة هذا الموج البشري، الذي يقفز فوق السياج ستظل تراود الحكومات الأوروبية وتدفعها إلى مزيدٍ من التشدد في إجراءات دخول الأجانب.ليست أحزاب اليمين القومي المتطرف في أوروبا من سارعت إلى استغلال الواقعة فحسب. وهذا الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر أن هذا "الاجتياح" للأراضي الإسبانية، هو أكبر دليل على نجاح إجراءاته بحق المهاجرين، ومنها طرد الآلاف منهم إلى بلدان ثالثة، وإحكام السيطرة على الحدود مع المكسيك. وذهب أبعد من ذلك، ليحذر الناخبين الأميركيين من أن بلادهم معرضة أن تلاقي مصير سبتة، لو أنهم سمحوا بعودة الديموقراطيين للسيطرة على الكونغرس في انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.تجدر الإشارة هنا، إلى أن العلاقات الأميركية-الإسبانية تمر في أسوأ أزمة لها، على خلفية منع حكومة بيدرو سانشيز المقاتلات الأميركية من استخدام الأراضي الإسبانية للانطلاق في هجمات خلال الحرب على إيران. وأمر ترامب رداً على ذلك بفرض عقوبات على إسبانيا وخفض المعاملات التجارية معها.خصم آخر لسانشيز هو إسرائيل، التي لم تنس له اعترافه بدولة فلسطين وتنديده الدائم بحربها على غزة. فإذا بالمندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون، يقول إن "إسبانيا التي لا توفر فرصة لإلقاء المحاضرات على إسرائيل، ينبغي أن تفسر أولاً احتفاظها بجيوب استعمارية في أفريقيا قبل أن تواصل الانتقادات".وأثار تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى سبتة، موجةً واسعة من ردود الفعل الأوروبية، وسط مخاوف متزايدة في شأن أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وراوحت المواقف بين الدعوة إلى تشديد الرقابة الحدودية وتسريع إعادة المهاجرين وتقديم الدعم لإسبانيا، فيما طالبت إيطاليا بتعليق أو استبعاد إسبانيا من شنغن، وهو موقف حظي بتأييد كل من فنلندا والدانمارك، بينما اعتبر قادة أوروبيون أن الأزمة تمثل اختباراً لقدرة الاتحاد على التعامل مع تحديات الهجرة غير النظامية.ومع ذلك، تضيء مسألة الهجرة غير النظامية إلى سبتة، على مسلسل طويل من المآسي لشعوب تحاول الفرار من أوطان ضاقت عليها أو لا تجد فيها ما يسدّ الرمق. أناس يركبون قوارب الموت من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى ضفته الشمالية، بحثاً عن مستقبل جديد. بعضهم يصل إلى بعض الجزر المتناثرة، وبعضهم لا يصل إطلاقاً.وهذا لا يمنع آخرين من المحاولة مجدداً، بسبب استحالة العيش في بلدان ترتع في الفقر أو الاستبداد أو كليهما معاً. وهذا ما يدفع الناس إلى تنكب الخطر، علّهم يحظون بفرصة للوصول إلى بدايات جديدة تعتقهم من الإذلال المقيم في أوطانهم.
المهاجرون... بين المشكلة الإنسانية والتسييس
مواضيع ذات صلة

