لا ينحصر الصراع الجاري داخل إدارة دونالد ترامب في التنافس بين جاي دي فانس وماركو روبيو على وراثة ترامب سياسياً أو على موقع كل منهما في السباق المقبل إلى الترشيح الجمهوري للرئاسة. الصراع الأهم يدور حول ماهية الاستراتيجية الأميركية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وحول شكل الشرق الأوسط الذي تريد واشنطن المساهمة في صياغته بعد الحرب: هل تقوم الترتيبات الجديدة على استيعاب إيران وإعادة تثبيتها شريكاً دائماً في معادلات المنطقة، أم على تغيير جوهري في العلاقة الأميركية معها بعدما أثبتت عقيدتها طوال عقود أنها تقوم على زعزعة الاستقرار بواسطة الأذرع والوكلاء، وعلى الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب المشروع النووي؟دونالد ترامب يبدو في هذه اللحظة أقرب للإصغاء إلى جاي دي فانس وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. إذا استقر قراره على رؤية هذا الثلاثي، تكون الملفات الأكثر جوهرية قد رُحِّلت إلى مستقبل مجهول، فيما يتركز البحث على صفقة مرحلية مرتبطة بمضيق هرمز. هنا تكمن المفارقة الخطيرة: حرب شنها ترامب على الجمهورية الإسلامية وألحقت بها خسائر عسكرية كبيرة قد تنتهي بمنح طهران ما لم يكن في حوزتها قبل الحرب، أي موقعاً أساسياً في ترتيبات السيطرة على مضيق هرمز.لا يعني ذلك قدرة إيران على الاستفراد بالمضيق، فهذا غير ممكن، إنما يعني تحويلها إلى شريك رئيسي في منظومة تحدد أمنه وملاحة ناقلات النفط فيه وربما مردوده المالي والسياسي. لم تكن مثل هذه المكانة الإيرانية مطروحة قبل حرب ترامب، ولم يكن مضيق هرمز أساس الحرب. فإذا أصبح هرمز جائزتها الكبرى، تكون الجمهورية الإسلامية قد نجحت في تحويل خسارتها العسكرية إلى مكسب جيوسياسي واقتصادي يمكن أن يعيد إليها أدوات النفوذ التي استهدفت الحرب إضعافها.هنا يصبح السؤال: لمن الاستسلام، ولمن الاستنزاف، ولمن الصفقة؟ترامب يريد أن يقول إنه أجبر حكام إيران على الاستسلام. واقع التسوية المحتملة قد يقول العكس. قبول صفقة تؤجل معالجة الصواريخ والمسيّرات والوكلاء والعقيدة النووية، وتمنح إيران في الوقت ذاته ثقلاً جديداً في هرمز، يمكن أن يعني أن الرئيس الأميركي نفسه وقع ضحية استراتيجية الاستنزاف الإيرانية. طهران التي خسرت كثيراً في الميدان تكون قد استنزفت صبر ترامب ورغبته في إغلاق الحرب وإعلان النصر، حتى أوصلته إلى صفقة تمنحها من نتائج الحرب أكثر مما كان متاحاً لها قبل اندلاعها.الرؤية المقابلة داخل الإدارة الأميركية تنطلق من حساب مختلف. فريق الأمن القومي بقيادة ماركو روبيو، ومعه المؤسسة العسكرية ووزير الحرب بيت هيغسيث، يرى في استمرار استنزاف إيران عسكرياً واقتصادياً وسيلة لتثبيت نتائج الحرب بدلاً من تبديدها بصفقة ناقصة. المعركة بين الفريقين تتجاوز التكتيك والمنافسة الشخصية. إنها معركة بين خيار يعيد إنتاج السياسة الأميركية التقليدية تجاه الجمهورية الإسلامية وخيار يسعى إلى كسرها.منذ الثورة الإيرانية عام 1979، عرفت العلاقة بين واشنطن وطهران مزيجاً غريباً من الخصومة العلنية والتفاهمات السرية والصفقات المرحلية. انتصار منطق ويتكوف–فانس–كوشنر يعني عملياً العودة إلى صيغة التعايش مع الجمهورية الإسلامية كما هي، بغض النظر عن عقيدتها الإقليمية، مع تأجيل الملفات الأخطر كلما استدعت الحاجة صفقة جديدة. أما إذا عدّل ترامب موقفه مرة أخرى واختار رؤية روبيو والمؤسسة العسكرية، فقد تبقى هناك فرصة لإحداث تغيير حقيقي في قواعد العلاقة الأميركية–الإيرانية بدلاً من إعادة إنتاجها.صراع الرؤيتين يتقاطع أيضاً مع معركة الوراثة داخل الحزب الجمهوري. فانس تلقى هذا الأسبوع تشجيعاً واضحاً من ترامب في سباق ما بعد ترامب، فيما يبقى روبيو في قلب الحسابات الرئاسية المقبلة. بذلك تصبح إيران ساحة لاختبار مدرستين في السياسة الخارجية الأميركية، كما تصبح جزءاً من المنافسة على هوية الحزب الجمهوري بعد انتهاء ولاية ترامب.الأخطر أن تداعيات الصفقة لن تتوقف عند إيران ولا عند التوازن داخل الإدارة الأميركية. الدول الخليجية ستكون في مقدمة من يدفع الثمن.الحرب استنزفت هذه الدول أميركياً قبل أن يأتي دور الاستنزاف الإيراني. اضطرت دول الخليج إلى استهلاك مخزونات باهظة الكلفة من صواريخ الاعتراض ومنظومات الدفاع الجوي والمضادة للمسيّرات للدفاع عن أراضيها ومنشآتها في وجه أسلحة إيرانية أقل كلفة بكثير. يتطلب تعويض تلك المخزونات استثمارات جديدة بمليارات الدولارات، معظمها في منظومات وتسليح أميركي. واشنطن التي اتخذت قرار الحرب من دون أن تكون العواصم الخليجية صاحبة القرار فيها تستفيد بذلك أيضاً من إعادة تسليح شركائها بعد استنزاف قدراتهم الدفاعية.الاستنزاف لا يتوقف عند الإنفاق العسكري. الأموال التي تذهب إلى إعادة بناء المخزونات الدفاعية هي موارد لا تذهب إلى مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي والاجتماعي الكبرى، سواء في السعودية أو الإمارات أو غيرهما. تصبح الكلفة مادية ورؤيوية في آن واحد، لأنها تضغط على قدرة هذه الدول على تنفيذ المشاريع التي اختارتها لبناء مستقبل مختلف للمنطقة.ثم يأتي الاستنزاف الأخطر، أي استنزاف معنى العلاقة التحالفية المميزة مع الولايات المتحدة نفسها. إذا مضى ترامب في المسار الذي يرسمه ويتكوف بمساندة فانس وكوشنر، يكون قد حمّل شركاءه الخليجيين كلفة حرب لم يقرروا خوضها، ثم أنهى الحرب بطريقة ترفع إيران إلى مرتبة استراتيجية لم تكن تملكها قبلها. سيكون ذلك بمثابة طعنة حادة في صميم الشراكات التي أمضت واشنطن سنوات وهي تصفها بأنها استراتيجية.وقف الحرب عند هذا المفترق لا ينهي استنزاف الخليج، بل ينقل مصدره من واشنطن إلى طهران. إيران التي تخرج وهي مقتنعة بأنها أرغمت ترامب على وقف حربه المبتورة لن تستنتج أن عليها تغيير سلوكها. الأرجح أنها ستستنتج أن سلوكها نجح.رجال الحكم في طهران لم يظهروا ما يشير إلى تخليهم عن عقيدة زعزعة استقرار الدول العربية بواسطة الأذرع والوكلاء. العراق يبقى ركناً أساسياً في جغرافيا نفوذ الحرس الثوري، وموقعاً لاستخدام الفصائل المسلحة التابعة لإيران في الضغط على السعودية ودول الخليج. الحوثي في اليمن هو الأداة الموازية عند باب المندب، بما يتيح لطهران الاحتفاظ بقدرة ضغط على الممر البحري الآخر الذي تعتمد عليه التجارة والطاقة الخليجية.إذا كانت صفقة هرمز تمنح إيران موقعاً رئيسياً في إدارة حركة الملاحة هناك فيما يبقى الحوثي ممسكاً بورقة باب المندب، تكون الجمهورية الإسلامية قد خرجت من الحرب بنفوذ على بوابتين بحريتين حيويتين للاقتصاد العربي الخليجي. قيمة هرمز لإيران لن تكون مالية فقط، بل استراتيجية أيضاً، لأنها تعزز زعمها بأنها القوة القادرة على أداء دور «شرطي المنطقة» وفرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أمن الخليج.الصدام أعمق من التنافس على النفوذ. النموذج الخليجي نفسه يناقض النموذج الذي تمثله الجمهورية الإسلامية. السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى وضعت التنمية والاقتصاد المفتوح والانفتاح الاجتماعي وتمكين المرأة في قلب رؤيتها للمستقبل. النظام الإيراني بنى شرعيته الإقليمية على الثورة والتعبئة والعسكرة والوكلاء. نجاح النموذج الخليجي يشكل تحدياً للعقيدة الإيرانية بقدر ما يشكل صعود إيران العسكري تحدياً لأمن الخليج.حرب ترامب على إيران لم تؤد إلى تغيير النظام، وقد لا تؤدي حتى إلى تغيير سلوكه. الأسوأ أن نهايتها بالطريقة المطروحة قد تقنع النظام بأن الأدوات التي سببت الحرب هي نفسها الأدوات التي أنقذته منها.دخل ترامب الحرب بوعود احتواء إيران وبتر أيديها وأذرعها، وإضعاف الحرس الثوري الذي يستخدم القمع ضد الشعب الإيراني والوكلاء ضد دول المنطقة. قد يخرج منها بنتيجة معكوسة: إيران صاحبة اليد السياسية العليا، والحرس الثوري أمام فرصة لإعادة بناء ما خسره، داخل إيران وفي شبكاته التابعة: "حزب الله" في لبنان والحوثي في اليمن والفصائل المسلحة في العراق.فالاستراحة التي يدفع بها فريق ويتكوف–فانس–كوشنر ليست مجرد وقف للقتال. إنها وقت لإعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية إذا لم ترتبط بشروط تمنع ذلك. طهران لن تتخلى طوعاً عن برامجها النووية والصاروخية والمسيّرات، ولا يوجد ما يدل على أنها قررت التخلي عن سلوك إقليمي اعتمدته طوال أربعة عقود. المفارقة أن حرباً بدأها ترامب تحت عنوان بتر أذرع إيران قد تنتهي بمنح الحرس الثوري يداً أطول.هذا الاحتمال يفرض على الدول الخليجية التفكير في خياراتها، من دون أوهام. استبدال المظلة الأمنية الأميركية بمظلة صينية ليس خياراً واقعياً. الصين تستطيع أن تكون شريكاً اقتصادياً ومالياً وتكنولوجياً بالغ الأهمية، لكنها ليست حتى الآن بديلاً أمنياً وعسكرياً متكاملاً عن الولايات المتحدة.المطلوب خليجياً سيكون بناء طبقات جديدة من الاستقلال الاستراتيجي من داخل العلاقة الأميركية، لا خارجها: ترتيبات دفاع إقليمية أكثر قدرة على العمل الذاتي، تعاون بحري لحماية باب المندب والبحر الأحمر، تنويع منافذ تصدير النفط والغاز وخطوط نقلهما، وتطوير مسارات تقلل الاعتماد المفرط على مضيق هرمز. الهدف ليس فك الارتباط بواشنطن، بل تخفيض كلفة الارتهان لقرار أميركي قد يتغير بين حرب وصفقة في غضون أسابيع.المعركة الحقيقية، إذاً، لم تعد فقط حول من ينتصر عسكرياً في الحرب الأميركية–الإيرانية، إنها حول من سيكتب ترتيبات ما بعد الحرب، ومن سيدفع ثمنها، ومن سيخرج منها قادراً على فرض شروطه. أمام دونالد ترامب فرصة أخيرة ليقرر ما إذا كانت الحرب التي بدأها ستغير قواعد العلاقة مع الجمهورية الإسلامية، أم أنها ستنتهي بإعادة إيران، والحرس الثوري تحديداً، إلى قلب ترتيبات المنطقة التي قيل إن الحرب جاءت لتفكيكها.قرار ترامب المقبل سيحدد اتجاه هذه المعادلة. إذا أبقى الضغط إلى أن تقدم إيران تنازلات حقيقية في القضايا التي أشعلت المواجهة، يبقى الاستنزاف في اتجاه طهران. أما إذا رفع الضغط مقابل صفقة جزئية تُرحّل كل شيء، يكون قد سلّم الحرس الثوري أهم ما يحتاج إليه: الوقت، والاستراحة، واستنزاف الرئيس الاميركي، والاقتناع بأن الصمود أمام دونالد ترامب كان حقاً صفقة رابحة.
لمن الاستسلام؟ لمن الاستنزاف؟ ولمن الصفقة؟
مواضيع ذات صلة

