: آخر تحديث

البازعي وحارس اللافتة..!

2
1
2

ثمة رجال لا يدافعون عن اللغة لأنها مهنتهم، وإنما لأنها وطنهم الأخير. ومن هؤلاء يبرز الدكتور سعد البازعي، الذي يواصل عبر كتاباته وتغريداته في منصة X أداء دور المثقف الحارس، يرفع صوته كلما انحسر حضور العربية عن واجهات المقاهي والأسواق، وكأنه لا يدافع عن حروفٍ تُكتب، وإنما عن هويةٍ تُرى، وذاكرةٍ تمشي بين الناس.

إن القضية التي يثيرها ليست معركةً ضد لغة أخرى، ولا اعتراضًا على الانفتاح الذي نفاخر به، وإنما هي دفاع عن التوازن الذي يحفظ للأمم ملامحها وهي تتجه إلى المستقبل، فالعالم لا يحترم من يتخلى عن لغته، وإنما يحترم من يدخل إليه بلغته، واثقًا بأن الحضارة التي تخجل من اسمها، ستخجل لاحقًا من تاريخها كله.

ولذلك فإن الاسم ليس تفصيلاً تجاريًا عابرًا، ولا خيارًا تسويقيًا محضًا، وإنما خطاب ثقافي صامت، إنه أول نص يقرأه العابر، وأول تعريف يقدمه المكان عن نفسه، وحين تتكاثر اللافتات الأجنبية في وطن جعل العربية عنوان دستوره، ولسان تاريخه، وروح رسالته، فإن السؤال لا يعود لماذا اختفى الاسم العربي؟ وإنما كيف سمحنا لرمز الهوية أن يتراجع عن الواجهة؟

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض هذه المقاهي تحتضن أمسيات أدبية وفعاليات ثقافية ضمن برامج وطنية رائدة، يأتي في مقدمتها برنامج الشريك الأدبي الذي يحمل رؤية ملهمة لتحويل الثقافة إلى فعل مجتمعي ونمط حياة، غير أن الثقافة ليست المنصة وحدها، وليست القصيدة وحدها، وإنما هي أيضًا المشهد البصري الذي يسبق القصيدة، واللافتة التي تستقبل الزائر قبل أن يستقبله الشاعر فما جدوى أن ندعو الناس إلى الاحتفاء بالعربية فوق المنبر، بينما تغيب العربية عن اسم المكان الذي يحتضن ذلك المنبر؟

إن الدفاع الذي يقوده الدكتور سعد البازعي يستحق أن يتحول إلى موقف ثقافي عام، تتضامن معه المؤسسات قبل الأفراد، والجامعات قبل المقاهي، والهيئات الثقافية قبل المستثمرين، فاللغة العربية ليست مسؤولية اللغويين وحدهم، كما أن حماية البيئة ليست مسؤولية علماء المناخ وحدهم، إنها مسؤولية كل من يسهم في تشكيل المشهد العام، لأن الهوية لا يحرسها خطاب واحد، وإنما يحرسها توافق وطني واسع يجعل العربية حاضرة في التعليم، والإعلام، والاستثمار، والسياحة، والثقافة، والشارع، حتى تصبح رؤيتها مألوفة كما هو مألوف سماعها.

لقد نجحت المملكة، في ظل رؤيتها الطموحة، في إعادة الاعتبار لعناصر كثيرة من هويتها الوطنية من العمارة، إلى الفنون، إلى التراث، إلى الأزياء، حتى غدت الهوية مشروعًا تنمويًا متكاملًا ومن الطبيعي أن تكون اللغة العربية في قلب هذا المشروع، فهي الوعاء الذي حفظ كل تلك العناصر، وهي الذاكرة التي منحتها أسماءها ومعانيها.

لهذا فإن صوت الدكتور سعد البازعي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه رأيًا في منصة تواصل، وإنما بوصفه جرسًا ثقافيًا يذكّرنا بأن الأمم تبدأ بفقدان ذاكرتها حين تتعامل مع لغتها على أنها خيار، مع أنها قدرها الأجمل، فاللغة العربية ليست ضيفًا على هذا الوطن، ولا تحتاج إلى إذن لتدخل مقاهيه وأسواقه، لأنها صاحبة الدار، وكل ما عداها.. زائر كريم!.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد