: آخر تحديث

ليست الأخبار.. بل الاتجاه الذي تصنعه

2
2
2

في نهاية كل يوم، نقرأ عشرات الأخبار، نغلق هواتفنا ونشعر أننا أصبحنا أكثر معرفة بما يجري في العالم، لكن الحقيقة قد تكون مختلفة؛ فالإكثار من قراءة الأخبار لا يعني بالضرورة أننا فهمنا ما يحدث.

فالخبر يخبرك بما حدث.. أما الاتجاه، فهو يخبرك إلى أين يتجه العالم.

وهنا يكمن الفرق بين متابعة الأحداث، وفهم التحولات.

قبل أشهر، كتبت مقالًا بعنوان "هل تغيّر معنى الثروة؟"، وقلت فيه إن الثروة في عالم اليوم لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من موارد، بل بما تستطيع أن تبنيه من بنية تحتية وقدرات اقتصادية وتقنية. وبعد ذلك، كتبت عن سلاسل الإمداد، والموانئ، والممرات اللوجستية، وكيف لم تعد مجرد وسائل لنقل البضائع، بل أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي والسيادة الاستراتيجية.

لم أعد اليوم إلى تلك المقالات لأقول إنني كنت محقة، فالكتابة ليست منافسة في التوقعات، وإنما عدت إليها لأن الأخبار الأخيرة أعادت طرح السؤال نفسه، ولكن بصور مختلفة.

ففي المملكة، أعلنت الهيئة العامة للموانئ (موانئ) توقيع سبع اتفاقيات استثمارية تقارب قيمتها مليار ريال لإنشاء وتوسعة مراكز لوجستية في ميناء جدة الإسلامي ومنطقة الخمرة. وتمتد هذه المشاريع على مئات الآلاف من الأمتار المربعة، وتهدف إلى تعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وربط الميناء بالمطار والطرق الرئيسية، ودعم مستهدفات المملكة في أن تصبح مركزًا لوجستيًا عالميًا.

وعلى الجانب الآخر من العالم، لا تعلن شركات التقنية اليوم عن تطبيقات جديدة فحسب، بل عن استثمارات بمئات المليارات في مراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، والرقائق الإلكترونية، لأن المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تدور حول امتلاك أفضل نموذج فقط، بل حول امتلاك البنية التحتية التي تجعل هذا النمو ممكنًا.

قد تبدو هذه الأخبار متفرقة؛ ميناء في جدة، وميناء في الفجيرة، واستثمارات في مراكز البيانات. لكنني لا أراها كذلك، أراها تتحدث عن الفكرة نفسها.

العالم يعيد بناء بنيته التحتية، ليس لما يحتاجه اليوم، بل لما سيحتاجه خلال العقد القادم.

لقد تغيرت طريقة تفكير الدول، فلم يعد السؤال: كيف ننقل البضائع؟ بل كيف نضمن استمرار حركة التجارة إذا تعطلت الممرات التقليدية؟ ولم يعد السؤال: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل كيف نمتلك الكهرباء، والقدرة الحاسوبية، ومراكز البيانات، والرقائق، التي تجعل استخدامه ممكنًا؟

وهنا تظهر الصورة الأكبر.

الموانئ لم تعد مجرد موانئ.

ومراكز البيانات لم تعد مجرد مبانٍ.

وشبكات الكهرباء لم تعد مجرد خدمات.

وسلاسل الإمداد لم تعد مجرد عمليات تشغيلية.

كلها أصبحت أصولًا استراتيجية، تُقاس بها قدرة الدول على المنافسة، والصمود، والتكيف مع عالم تتغير فيه المعادلات بوتيرة غير مسبوقة.

ولعل ما تشهده منطقتنا اليوم يوضح هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى، فالأزمات لا تدفع الدول إلى التفكير لأول مرة، بل تكشف قيمة الاستثمارات التي بدأت قبل سنوات، والمشاريع التي قد تبدو في أوقات الاستقرار بعيدة المدى أو مبالغًا في حجمها، تتحول عند أول اختبار إلى عناصر حاسمة في حماية الاقتصاد واستمرارية الأعمال.

ولهذا، فإن الخطأ الأكبر ليس في قراءة خبر واحد، بل في قراءة كل خبر بمعزل عن الآخر، لأن التاريخ الاقتصادي لا يتغير بقرار منفرد، وإنما يتغير عندما تبدأ أخبار مختلفة، ومن قطاعات مختلفة، ودول مختلفة، في الإشارة إلى الاتجاه نفسه. وربما هنا يكمن الدور الحقيقي لكاتب الرأي.

ليس أن يسبق الخبر، فالأخبار يسبقها كثيرون، وإنما أن يساعد القارئ على رؤية الخيط الذي يربط بينها. فالخبر ينتهي بانتهاء يومه، أما الاتجاه فقد يستمر سنوات، ويعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي.

لذلك، إذا أردنا أن نفهم المستقبل، فربما لا نحتاج إلى قراءة أخبار أكثر.. بل إلى أن نتعلم كيف نقرأ الأخبار بطريقة مختلفة.

لأن التحولات الكبرى لا تعلن عن نفسها في خبر واحد..

بل تهمس في عشرات الأخبار الصغيرة، حتى يكتشف العالم متأخرًا أنها كانت تكتب مستقبلًا جديدًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد