: آخر تحديث

مراجعة من أجل 2034

2
2
2

الرياضة في المملكة، وكرة القدم بشكل خاص، لا ينقصها الدعم الحكومي السخي، ولا الكفاءات، ولا الرغبة الصادقة في الفوز.. لكنها بحاجة لاستراتيجية واضحة، وخطط بعيدة المدى، وتجاوز البيروقراطية، ومراجعة عدد اللاعبين الأجانب في مباريات الأندية، وتعاون وزارة التعليم والجامعات لجعل الرياضة مادة أساسية..

اختتمت فعاليات كأس العالم، وعادت المنتخبات المشاركة إلى بلدانها، وكل منتخب بذل ما يستطيع، حسب قدراته وجودة إعداده. المنتخب الإسباني بهر العالم بأدائه وفنياته، ورقي أخلاق أفراده، جاء وكأنه يقدم إسبانيا إلى العالم، كرة القدم ساحرة، وهي اللعبة الأولى في العالم دون منازع، حين تحضر تخلو الشوارع المزدحمة من مرتاديها، ويتسمر أكثر من نصف سكان العالم أمام شاشات البثّ، ولاعبوها هم الأكثر شهرة بين الشباب بصفة خاصة، يحفظون أسماءهم وأرقام قمصانهم، يجلبون الملايين لهم ولبلدانهم. رونالدو على سبيل المثال كان صفقة رابحة بالنسبة لناديه وللمملكة، كان خير سفير للسياحة، والتعريف بالمملكة بين عشاق كرة القدم.

يقول أحد الأصدقاء: كنت في لاوس، وحين خرجت من أحد المطاعم في وقت متأخر من الليل لم أجد سيارة أجرة، توقفت طويلاً عند إشارة، توقف سائق دراجة وسألني: من أين أنت؟ أخبرته أنني من السعودية، ابتسم وأجاب: رونالدو. غاب خمس دقائق وعاد وخلفه سيارة أجرة.

عاد منتخبنا من كأس العالم بعد أن أدى عرضاً باهتاً لا يتماشى ومكانة المملكة، وسمعة الكرة السعودية على مستوى العالم، ولا يلام لاعبوه على ذلك، ولا تقع المسؤولية على جهة واحدة، لكنها منظومة متكاملة تشترك فيها أكثر من جهة، بدءًا من المدرسة وحتى المنتخب، مروراً بالأكاديميات والأندية. وقد كُتب الكثير عن المنتخب، والطريقة المثلى للإعداد، وممن كتب عن خطوات إعداد المنتخب للأعوام المقبلة التي تمتد لعشرات السنين الصحفي المخضرم الأستاذ عبدالعزيز الرغامة في جريدة الشرق الأوسط، حيث أكد على ضرورة إعداد المنتخب لأعوام تمتد عشرات السنين، وليس قبل التصفيات بأشهر، ومن أهم التوصيات التي أرى أنها مهمة وعاجلة ما يأتي:

أولاً: ليست المملكة وحدها من يطالب بمراجعة نتائج منتخبها، لكن كل الدول المشاركة في كأس العالم تقوم بذلك. فالخاسر يبحث عن الأسباب والخلل ليعالجه، والكاسب يريد أن يعزز مكاسبه ويبقى في المنافسة. ألمانيا وأميركا واليابان من بين الدول التي خرجت مبكراً، فكانت الأسرع في المراجعة واتخاذ القرارات التي تركز على القاعدة وتذليل كل الصعاب لتنافس منتخباتها على القمة مستقبلاً.

ثانياً: المملكة على موعد مع كأس العالم في المملكة في عام 2034، وأهم مبارياته التي في الافتتاح وفي الختام. والمملكة ستكون طرفاً في مباراة الافتتاح مع بطل العالم في عام 2030، وهذا يحتم على وزارة الرياضة أن تواصل جهودها، وتراجع سياساتها، وتذلل العقبات أمام اتحاد كرة القدم كإيجاد مقر يستوعب الملاعب لمختلف الفئات والفعاليات المصاحبة.

ثالثاً: أقترح أن نستعين بدولة متقدمة لبناء منتخبات المستقبل، واقترح إسبانيا لأسباب كثيرة من أهمها تصدرها الدول الأوروبية في هذا المجال، ولديها أفضل الأندية والمدارس. أقترح أن يكون التعاون على أعلى المستويات، وأن يفتح باب الابتعاث للاعبي أندية المملكة، وأن يشجع على الاحتراف في أوروبا.

رابعاً: إعداد لاعب الغد ليس مهمة وزارة الرياضة وحدها، لكن وزارة التعليم مطالبة بالبحث عن المواهب ورعايتها بدءًا بالمراحل المبكرة وحتى الجامعة، ليس في كرة القدم فقط، لكن في كل الألعاب الرياضة الفردية والجماعية التي تتنافس الدول للحصول على أكبر قدر من الميداليات الذهبية والفضية في الألعاب الأولمبية.

خامساً: أهم من تغيير المدرب أو اختيار لاعبين جدد، هو رؤية ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية من بناء مقر لاتحاد كرة القدم، به 17 ملعباً، تستوعب كل الأعمار من البراعم وحتى المنتخب وما بينهما، وصالات رياضية، وتغذية، وعيادة للطب الرياضي، وغيره، كما أشار إلى ذلك الأستاذ عبدالعزيز الرغامة في مقاله في الشرق الأوسط.

سادساً: خروج ألمانيا من المنافسة في وقت مبكر، جعل المسؤولين عن الرياضة يعيدون النظر في صناعة اللاعب الذي سيمثل ألمانيا، وأنه لا بد من مراجعة المنظومة من المدرسة إلى المنتخب الأول، هذا مع أن المانيا حصلت على كأس العالم أربع مرات في تاريخ كأس العالم.

الرياضة في المملكة، وكرة القدم بشكل خاص، لا ينقصها الدعم الحكومي السخي، ولا الكفاءات، ولا الرغبة الصادقة في الفوز، لكنها بحاجة إلى استراتيجية واضحة، وخطط بعيدة المدى، وتجاوز البيروقراطية، ومراجعة عدد اللاعبين الأجانب في مباريات الأندية، وتعاون وزارة التعليم والجامعات لجعل الرياضة مادة أساسية، والإيمان أن صناعة اللاعب علم يراعي البنية البدنية، والمهارات، والذكاء، والانضباط، وأنه لا مجال لاختصار خطوات الإعداد والتدريب والمراجعة المستمرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد