كان الفنان الشعبي حمد الطيار -رحمه الله- واحدًا من الوجوه التي اعتادت زيارة شقة «المرسم» كلما قدم من الخرج إلى الرياض. فما إن يصل حتى يتجه للقاء أصدقائه سليمان الجاسر، وعثمان الخزيم، وعبدالله الكعيد، ومحمد العثيم، وبقية أفراد الشلة. ولم تكن زياراته عابرة، بل كانت تتحول في كثير من الأحيان إلى أمسيات يحييها بصوته، مقدماً لوناً شعبياً اتسم بجمال الكلمة، ورقي اللحن، وصدق الأداء.
لم يكن حضور الطيار في «المرسم» مستغرباً، فهو أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في رسم ملامح الأغنية الشعبية الخليجية. استطاع أن ينقل هذا اللون من نطاق المجالس والسهرات الخاصة إلى مساحة أوسع من الانتشار، محافظاً في الوقت نفسه على هويته التراثية وروحه الفلكلورية، وهو ما منحه مكانة خاصة لدى جمهور الأغنية الشعبية في المملكة والخليج.
وأقرب من تحدث عن تلك المرحلة وعلاقته بالراحل هو صديقه الدكتور عبدالله الكعيد، الذي وصفها بأنها علاقة امتدت لأكثر من أربعين عاماً، ازدادت متانة بعد انضمام الراحل محمد العثيم إليها، لتتشكل صداقة ثلاثية أثمرت عدداً من الأغنيات التي لاقت رواجاً واسعاً، من بينها أغنية «يا عطاشا» التي حظيت بانتشار كبير عبر إذاعة وتلفزيون قطر، إلى جانب وسائل إعلام خليجية أخرى.
ويستعيد الكعيد إحدى المحطات المهمة في مسيرة الطيار، حين سافر معه عام 1982 إلى القاهرة لتسجيل أول ألبوم احترافي بمشاركة فرقة موسيقية مصرية داخل استوديو الموسيقار عمار الشريعي. وبعد عودة محمد العثيم من بعثته في الولايات المتحدة، ومع اتساع تأثير شلة «المرسم»، اقترح الكعيد أن يرافقهم الطيار إلى الشقة. وكان سليمان الجاسر يعرفه جيداً، فيما كان بعض رواد «المرسم» يتابعون أغانيه ويرددونها.
ويضيف الكعيد أن الطيار غنى في «المرسم» أكثر من مرة، وأضفى على جلساته أجواءً لا تُنسى، ليصبح واحداً من الفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمكان، إلى جانب رابح صقر وراشد الماجد وغيرهما. كما شهدت تلك المرحلة تعاوناً فنياً مثمراً بين الطيار ومحمد العثيم، الذي كتب له عدداً من النصوص الغنائية، من بينها: «يا مرجعات الصوت بطويق صوتين»، و«إلا من يبلغ حبيبٍ نسى ما جرى لي»، و«قل لا ليا أغروك في مفرق الليل قل لا»، إضافة إلى تلحين الطيار أهازيج مسرحية «قبة رشيد» وغيرها من الأعمال.
ومن الذكريات التي أستعيدها مع الراحل أنني أجريت معه لقاءً مطولاً في الملحق الفني الأسبوعي «أهل الفن»، تحت عنوان «من الكبينة الغنائية.. الطيار حمد يتحدث إليكم». وكتبت في مقدمته: «دخل حمد الطيار الساحة الفنية في وقت كانت فيه الأغنية الشعبية تعتمد على البساطة والعفوية، لكنه قدم لوناً مختلفاً يمزج بين الأصالة والذائقة الفنية الراقية. كان صوته يحمل نبرة حزينة وعميقة، واستطاع أن يصل إلى الناس بسهولة، ليكوّن جمهوراً واسعاً لم يقتصر على المملكة، بل امتد إلى الكويت وقطر وسائر دول الخليج.»
لقد كان حمد الطيار صوتاً اختزل مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية الشعبية الخليجية، وترك إرثاً ظل حاضراً في الذاكرة، بما حمله من وفاء للتراث، وصدق في الأداء، واحترام للكلمة واللحن.. رحم الله حمد الطيار، فقد بقي واحداً من آخر الأصوات التي حفظت للأغنية الشعبية أصالتها، ومنحتها حضوراً تجاوز حدود المكان والزمان.

