: آخر تحديث

مجتمع النوماد في السعودية

0
1
1

العالم اليوم لم يعد يدور في فلك المكاتب المغلقة ذات الثماني ساعات عمل التقليدية؛ نحن نعيش في عصر "النوماد" أو الرحالة الرقميين (Digital Nomads)، هذا المجتمع العالمي الآخذ في الاتساع الذي يدمج بين العمل والترحال، معتمدًا على شاشة حاسوب محمول واتصال سريع بالإنترنت. ومع تسارع تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تركز على جودة الحياة والتنوع الاقتصادي، يبرز تساؤل جوهري في فضاء الصحافة والاقتصاد: كيف يمكن للمملكة العربية السعودية أن تصنع لنفسها مكانًا كعاصمة إقليمية وعالمية لهذا المجتمع الديناميكي؟

الاستفادة من فكرة "النوماد" تبدأ أولاً من الداخل، عبر نشر ثقافة العمل المرن والترحال بين أفراد المجتمع السعودي، والترويج لهذا المفهوم يمكن أن يتم عبر مبادرات وطنية تقودها وزارتا الموارد البشرية والاتصالات، لتشجيع الكفاءات السعودية الشابة على تبني أسلوب العمل المستقل والإنتاج الذاتي العابر للمدن.

تمنح هذه المرونة الفرد شعورًا عاليًا بالحرية والرضا المهني، وتحد من ضغوط الاحتراق الوظيفي والروتين القاتل، مما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية والترابط الأسري؛ حيث يتيح للرحالة قضاء أوقات نوعية في بيئات طبيعية وجغرافية متنوعة داخل وطنهم الشاسع. ويسهم "النوماد المحلي" في تدوير رأس المال جغرافياً؛ إذ ينتقل الإنفاق الاستهلاكي من المدن الكبرى المزدحمة إلى المناطق والمحافظات السياحية الواعدة مثل: عسير، والباحة، والعلا، مما ينعش الاقتصادات المحلية للمجتمعات الصغيرة وينميها.

لجذب النوماد العالميين، يجب أن تتحول المدن السعودية إلى "بيئات مرنة ذكية"؛ ويتطلب ذلك بنية تحتية رقمية فائقة السرعة، وهو مجال تفوقت فيه المملكة عالميًا بفضل التغطية الواسعة لشبكات الجيل الخامس (5G)، ونحتاج إلى تعزيز شبكة مساحات العمل المشتركة (Co-working spaces) المجهزة في المواقع الحيوية، وتقديم خيارات سكنية مرنة وميسورة التكلفة.

مدننا تمتلك تنوعاً هائلاً يلبي رغبات مختلف الرحالة؛ فالرياض تقدم الصخب الريادي وروح الابتكار، بينما تمنح جدة نمط الحياة الساحلي الهادئ، وتوفر مناطق كالعلا ونيوم وجبال عسير تجارب طبيعية وثقافية ساحرة، إن إطلاق "تأشيرة الرحالة الرقمي" (Digital Nomad Visa) ميسرة وطويلة الأمد، تضمن الإقامة القانونية السلسة والتغطية الصحية المناسبة، هو المفتاح الأساسي لفتح الباب أمام هذه الشريحة العالمية الباحثة عن الأمان والاستقرار المؤقت.

بالنظر إلى الساحة الدولية، نجد أن دولاً عدة نجحت في تحويل هذا المفهوم إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته؛ إستونيا، على سبيل المثال، كانت السباقة عالمياً في إطلاق أول تأشيرة رسمية للرحالة الرقميين. وفي البرتغال، تحولت جزيرة ماديرا إلى أول "قرية رقمية للرحالة" في العالم بالتعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، كذلك فعلت "بالي" في إندونيسيا التي اعتمدت على تيسير شروط الإقامة والتركيز على تقديم أسلوب حياة يجمع بين الطبيعة والإنتاجية الرقمية.

إن العائد الاقتصادي المتوقع للمملكة من استقطاب مجتمع النوماد ضخم ومستدام؛ فهؤلاء الرحالة ليسوا سياحًا عابرين ينفقون لأيام معدودة ويغادرون، بل هم مقيمون مؤقتون مستهلكون، ينفق النوماد دخولهم المكتسبة من شركات أجنبية بالكامل داخل الاقتصاد المحلي على السكن، والنقل، والمطاعم، والخدمات الترفيهية لمدد تتراوح بين أشهر وسنة كاملة.

علاوة على ذلك، يمثل وجودهم فرصة لا تقدر بثمن لنقل المعرفة والابتكار، والاحتكاك المباشر بين الشباب السعودي المبدع والرحالة العالميين في مساحات العمل المشتركة يساهم في بناء شبكة علاقات دولية، وتلاقح الأفكار الريادية والتقنية، مما يدعم منظومة الشركات الناشئة السعودية.. يقول عالم الاقتصاد والمفكر الشهير ريتشارد: "إن النمو الاقتصادي في العصر الحديث لا تقوده الشركات الكبرى أو الموارد الطبيعية وحدهما، بل تقوده الأماكن القادرة على جذب ودمج الكفاءات المبدعة والموهوبة التي تبحث عن الجاذبية الثقافية، والبيئة المرنة، وجودة الحياة الشاملة.".

فدعونا نجعل من مدننا الشريان النابض الذي يربط مبدعي العالم بأرض الفرص.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد