لا يوجد سِرٌّ بين اثنين كما يُقال، فكيف إذا كان بين عشرات؟!
أسبابُ البوح عديدة، قد تكون رغبةً في استعراض الذات أمام الآخرين، أو عجزاً عن ضغط الهمّ والتفكير منفرداً، أو تكون بسبب تقدير الشخص أن ما يبوح به ليس سِرّاً، أو لا ينبغي له أن يُصنّف سِرّاً.. وغير ذلك من الأسباب. وقد نُسب إلى الشافعي قوله:
إذا المَرءُ أفشى سِرَّهُ بِلِسانِهِ ولامَ عليه غيرهُ فهو أَحمَقُ
إِذا ضاقَ صدرُ المَرءِ عن سِرِّ نَفسِهِ فصدرُ الَّذي يُستَودَعُ السِرَّ أَضيَقُ!
كما أنَّ هناك مدارس في عالم السياسة حول فائدة الإفشاء أو الكتمان، وأيهما أجلبُ للفائدة على الحكم!
هناك غُلاة وجُفاة في الضِفّتَين.
ما علينا... قبل أيام قابل شابُّ إيراني لديه منصّة بودكاست اسمه جواد موغوي يصنع أفلاماً وثائقية، وزير الخارجية الإيراني، وأحد عقول النظام الخميني عباس عراقجي و«دردش» معه حول ظروف الحرب الجارية وبواطن اتخاذ القرار الإيراني.
عراقجي قال في المقابلة إنَّه لم يلتقِ المرشد الغائب، مُجتبى خامنئي، منذ تعيينه، ولا يظنّ أنَّ الكثير قد قابلوه، سوى حفنة قليلة، كما قال إنَّ القرارات المتعلقة بالمفاوضات مع أميركا لم تكن تُتخذ داخل المجلس الأعلى للأمن القومي بكامل أعضائه، بل عبر لجنة مصغرة ضمت ستة أعضاء، من بينهم الرئيس بزشكيان، ورئيس البرلمان قاليباف، وأمين المجلس ذو القدر، إضافةً إلى عضوين آخرين لم يُكشف عن هويتيهما.
وتحدّث عن أمور أخرى، على طريقة التبسّط والتقارب مع الجمهور، لكن ذلك لم يعجب سدنة النظام، وتمّ حذف المقابلة من المنصّات. لكن مضامين المقابلة سارت بها الرُّكبان.
المقابلة أغضبت بعضَ المواقع الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ومنها صحيفة «جوان» المُقرّبة من «الحرس»، التي انتقدت عراقجي لأنَّه أفشى تفاصيل «لم يكن ينبغي إعلانها». وأضافت ساخرة: «كان من الأفضل الاحتفاظ بمواقع الأنفاق والقواعد العسكرية المتبقية، وعدم الخوض في تفاصيل الأحداث الحسّاسة»، مؤكدةً أنَّ حماية الأمن القومي والحفاظ على ثقة الرأي العام يجب أن تتقدم على السعي وراء المقابلات ذات نسب المشاهدة المرتفعة.
السؤال لنا هنا: كم من مركز دراسات، وباحثين سعوديين وخليجيين وعرب، رصدوا وتفحّصوا هذه المقابلة الطويلة ذات الساعات، ومحتويات المنصات الإيرانية، ليس منذ هذه الحرب فقط بل منذ سنين وسنين؟!
من الأكيد أنَّ رجالات النظام الإيراني بشرٌ من البشر، وبعضٌ، هو على رأس العمل أو تقاعَد، يرغب في لفت الاهتمام واستعراض الذات أو تبريرها أمام جمهوره الإيراني بلغته الفارسية... فكم من خبيرٍ راصدٍ على مدار الأيام يقع على فكرة أو طريقة أو جملة تشرح أشياء كثيرة أو نيات مُقبلة، ولو بلحن القول؟!
هل أنا أفشي سِرّاً الآن؟!

