لا شك في أن إعلان مجلس الوزراء، في جلسته الأخيرة، الموافقة على مشروع مرسوم بقانون بتخصيص دوائر جزائية لنظر جرائم أمن الدولة الخارجي والداخلي وجرائم الأعمال الإرهابية يحتاج إلى كثيرٍ من التفسير، في ظل الأوضاع التي تعيشها البلاد حالياً.
فمع التأكيد على أن نقاش ما ورد في بيان مجلس الوزراء حول هذا التشريع لا ينطوي على التعاطف أو التبرير تجاه أي خلايا إرهابية، وليس تشكيكاً بمكانة القضاء الكويتي، فإنه من المهم توضيح مسألة الضمانات القضائية المحققة للعدالة في التشريع الجديد، أو مخاوف التوسع في تعريف الجرائم التي يطولها هذا القانون.
فتصريح وزير العدل ناصر السميط يشير إلى أن التقاضي في هذه القضايا، وفق المشروع الجديد، سيكون على درجتين فقط، الأولى: المحكمة الكلية، والثانية: محكمة الاستئناف، على أن يكون الحُكم الصادر في الاستئناف نهائياً غير قابل للطعن بالتمييز أو بأي طريقٍ آخر من طُرق الطعن، وهو توجُّه يحتاج إلى شرحٍ حول مبرِّر خفض درجات التقاضي المعتادة من 3 درجات إلى اثنتين، ومدى أثر هذا الإجراء على ضمانات العدالة لأي متهم، أو حتى صورة الكويت الخارجية كدولة- كما عوَّدتنا دائماً- توفر لأي متهم، مهما كان جُرمه، ضمانات المحاكمة العادلة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى خطورة ما يطالب به البعض، ومعظمهم متحمِّس أو يتحدَّث بشكلٍ عاطفي، بالمطالبة بإصدار أحكام الإعدام العلنية من دون حاجة للمحاكمة أو تسريع إصدار الأحكام القضائية، إذ إن مصلحة الكويت كدولة أن يكون مسار أي قضية جنائية، خصوصاً ذات الطابع الحساس، ضمن الأطر التقليدية والمتعارف عليها، التي تضمن استنفاد المتهمين كل إجراءات الدفاع ودرجات التقاضي، من دون حجةٍ واهية أو ثغرةٍ منسية. ففي المحصلة، إتمام إجراءات التقاضي من مصلحة الكويت وسُمعتها، وليس لمصلحة المتهمين فقط.
وثمة أمر يستحق التساؤل حول ما أورده بيان مجلس الوزراء حول ما يُعرف بـ «جرائم أمن الدولة الخارجي والداخلي»: فهل المقصود هنا ما يمكن أن يُنشر بوسائل التواصل الاجتماعي أو الحديث في الندوات العامة، بحيث يمكن أن يكيف من جهة الاتهام على أنه من جرائم أمن الدولة الداخلي، مثلاً؟ أم أن المسألة مرتبطة في هذه الحالة بقضايا الخلايا والتخابر والإرهاب، وغيرها من القضايا التي تشكِّل تهديداً فعلياً على أمن البلاد؟ فهذه جزئية تحتاج إلى شرحٍ وتوضيح.
الواقع الحالي يذكِّرنا بما حدث بعد التحرير، عندما أثمرت تحرُّكات النائب الأسبق المرحوم مشاري العصيمي- وكان قبلها رئيساً لجمعية المحامين- قانونياً وبرلمانياً بإلغاء محكمة أمن الدولة في عام 1995. وقد تحدَّث العصيمي في أكثر من مناسبة حول ضعف الضمانات القانونية في تحقيق العدالة بمحكمة أمن الدولة المُلغاة.
واليوم لا نريد حتى مجرَّد التفكير في تكرار الخطأ السابق، الذي تجاوزناه منذ 31 عاماً.
هذا القانون مناسبة جديدة للتأكيد على أهمية ألا يصدر قانون بشكلٍ منفرد من مجلس الوزراء إلا بعد نقاشٍ مجتمعيٍ يضم المختصين من ذوي الخبرة والأكاديميين وجمعيات النفع العام... فكلما زاد النقاش والحوار كان أي مقترح للقانون أكثر جودةً، وأقرب إلى تحقيق أهدافه.

