: آخر تحديث

تقدّم التأخر

3
3
4

تعرفُ بالإنجليزية بـ«التعابير المتناقضة» أو بـ«التناقض في التعبير». منها على سبيل المثال «التقدم في السن»، والمقصودُ التأخر في العمر، فأينَ هو التقدم في بلوغ الثمانين حولاً من سأم زهير، وقد كانت إلى الأمس سبعين أو خمسين، أو يقولون ليلى في العراق مريضة.

ومن معايب «التقدم» كثرة تكاثرها عليك. تفرض على نفسك رقابة شديدة في السرد، وتتجنَّب الزهو باعتباره عيباً، وتتصنع الحشمة لكي لا تتّهم بإفساد الأجيال: السابقة واللاحقة وما بعدها. ويعتبر كل ذلك تقدماً. ولقد كانتِ المجالسُ بالأمس تفتح لك في بشاشة ومرح، والآن يحذّرك الجميع من الجلوس قرب النافذة أو قربَ الباب أو بعيداً عن مسارب الهواء ومقاعد الرواة لكي لا تفوتك الحكايات التي سمعتها وتسمعها منذ نصف قرن.

أنتم أيها المتقدّمون في السّن، صارَ لكم لغة خاصة: لا يقال لكم وفقكم الله لأنَّ مسافات التوفيق أصبحت محدودة... الجميع يرحب بك وأنت تجهد بالجلوس، بالدعوة الأخيرة: الله يطول عمرك. ثم يرفقها بلازمتها: ما شاء الله. شباب! وكلاهما يجامل.

يعيش الإنسان بالأمنيات. ومن أجمل ما نُسب إلى مؤسس «الحزب السوري القومي» أنطوان سعادة قوله: «الصداقة تعزية الحياة». غير أنني لم أعرف في تاريخ الأحزاب العربية حزباً عرف من الانشقاقات ما عرفه «الحزب القومي».

ويقال إنه سبقته في ذلك «منظمة العمل الشيوعي» لزعيمها محسن إبراهيم. وكان يفترض في الحزبيين أن يكونوا جادين مكفهرين عابسين لكي لا تفقد أفكارهم وقارها. إلا محسن إبراهيم فقد كانت ضحكته تُسمع في كل مقرات القرار والاكفهرار. وكانت له القدرة على إنهاء أي تأزم بدعابة ساخرة. وأشهر من كان يحب مجلسه الرئيسان جمال عبد الناصر وياسر عرفات.

ومن شواهد التناقض في التعبير، «الحزب السوري القومي» الذي أسسه وتزعمه لبنانيون وكان ينادي بالوحدة السورية ونجمتها قبرص.

ولا أحد يسوق لماذا لا يكون مقره يوماً سوريا ما دام كل ما فيه لها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد