عبدالرحمن الحبيب
برز عاملان جديدان كعنصرين أساسيين في الحروب من شأنهما تغيير مفهوم الحرب الحديثة؛ الأول واضح في الفضاء الطبيعي وهو الطائرات المسيرة التي باتت متاحة لجميع القوى، بغض النظر عن مستوى تطورها؛ أما الثاني فهو في الفضاء السيبراني يصعب رصد عملياته أو فهم كيفية تنفيذها، نظراً للسرية الشديدة المحيطة به، مما «يجعل الأشياء التي لا تُظهرها وسائل الإعلام تبدو وكأنها غير موجودة» كما تفترض نظرية «المحاكاة» للمفكر جان بودريار، ولكن بات جلياً الدور المتنامي للتكنولوجيا السيبرانية في الحروب لا سيما في تحديد الأهداف البشرية والمواقع الحيوية من خلال التجسس السيبراني والاختراق الإلكتروني.
يقول الخبراء إن الدول لا تفصح عن قدراتها أو عملياتها السيبرانية لأن ذلك يعرضها لخطر الكشف عن معلومات أو ثغرات أو تقنيات يمكن للخصوم تعطيلها دون معرفة هوية المسؤول على وجه اليقين؛ فلا تزال أساليب تنفيذ العمليات السيبرانية في الحروب غامضة. ومع ذلك يُذكر أن الكاميرات المتصلة بالإنترنت تعد هدفًا مهمًا في الحرب السيبرانية، ويتوقع البعض بإمكانية التشويش على أبراج الهواتف المحمولة أو إغلاقها لمنع الخصم من تلقي تحذيرات بشأن الطائرات المهاجمة، وقد لوحظت مثل هذه التكتيكات في النزاعات الأخيرة كالحرب في أوكرانيا.
ومع ذلك، يقدم مسؤولو الإدارة الأمريكية بعض التلميحات دون الخوض في التفاصيل؛ وقد أعربت الدكتورة لويز ماري هوريل، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة (بريطانيا)، عن دهشتها الإيجابية من كمية المعلومات التي تكشف عنها الولايات المتحدة، إذ يُسهم ذلك في الحفاظ على قواعد الاشتباك، وقوانين النزاعات المسلحة، ومبدأ التناسب بين الأضرار المدنية العرضية التي تفوق بكثير الفائدة العسكرية.
فعلى سبيل المثال، كشف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، في يونيو الماضي، أن القيادة السيبرانية الأمريكية «دعمت» ضربات استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية في ذلك الشهر، بما في ذلك أسلحة سيبرانية عطلت أنظمة الدفاع الصاروخي الإيرانية، لكن البنتاغون رفض التعليق أكثر على استخدامه للأسلحة السيبرانية، وفقًا لتقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي».
يشير التقرير أيضاً إلى استخدام الإدارة الأمريكية لعمليات سيبرانية هجومية: فقد استشهد الرئيس ترامب باستخدامها لإحداث انقطاعات في التيار الكهربائي في فنزويلا في يناير قبل أن يعتقل الجيش الأمريكي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وأقر الجنرال كين بأن قيادة الفضاء السيبراني وقيادة الفضاء نفذتا «عمليات متنوعة» لدعم العملية في فنزويلا، دون تحديد طبيعة تلك العمليات.
وبحسب الجنرال كين، قبل سقوط أولى القنابل الأمريكية على إيران في 28 فبراير، كانت عناصر من القيادة السيبرانية وقيادة الفضاء الأمريكية «أول من تحرك»، وأطلقت ما وصفه بأنه «تأثيرات غير حركية [سيبرانية]عطّلت وأضعفت قدرة إيران على الرؤية والتواصل والرد».
ليست العمليات السيبرانية الهجومية جديدة تماماً، بل بدأت منذ العقد الأول من الألفية الثانية، لكنها لم تكن معلنة حسب «فورين بوليسي»، بينما الاعتراف العلني بتلك العمليات السيبرانية الهجومية، فضلاً عن التباهي بها، يُعد «بالتأكيد تطورا جديدًا»، وفقًا للورين ويليامز، التي شغلت منصب مديرة الاستراتيجية بمكتب مدير الأمن السيبراني الوطني بالبيت الأبيض، وقادت مبادرته الاستراتيجية بشأن الأمن السيبراني لأنظمة الفضاء في إدارة بايدن.
تقول ويليامز، وهي الآن نائب مدير برنامج التقنيات الاستراتيجية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن: «إن الجمع بين هذا النهج التصريحي في الرسائل العامة الذي يتبعه كبار المسؤولين، وما رأيناه في الاستراتيجية السيبرانية الوطنية، يُمثل تحولاً جذرياً من إدارة ترامب التي ركزت على العمليات السيبرانية الهجومية».
عموماً، أظهرت الأحداث الأخيرة أن العمليات السيبرانية تلعب دوراً مهماً في هذه الحرب، كما ألمح قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر مؤخراً خلال مؤتمر صحفي، قائلاً: «نواصل تنفيذ ضربات داخل إيران تمتد من قاع البحر إلى الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني».
إذا كان هذا هو الحال في زمن الحرب، فإنه يُستخدم أيضاً في بعض الدول في زمن السلم لمهاجمة المواقع المدنية الحساسة والبنية التحتية والمواقع العسكرية، وفقاً لسكوت وايت، مدير برنامج الأمن السيبراني بجامعة جورج واشنطن وضابط سابق في الجيش المخابرات الكندية، فإن الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران تمتلك قوة هائلة في مجال القرصنة والاختراق السيبراني.
تعطي الأحداث الأخيرة لمحةً موجزةً عن طبيعة الوضع، مثل إعلان شركة سترايكر للأجهزة الطبية، ومقرها ميشيغان، والتي تضم أكثر من 56 ألف موظف حول العالم، عن تعرضها لهجوم إلكتروني؛ وأفادت التقارير أن مجموعة حنظلة المرتبطة بإيران قد تبنت مسؤولية الهجوم، رغم أن سترايكر لم تُنسب الهجوم إلى أي جهة محددة.
لكن أين يكمن الحد الفاصل بين استخدام الهجوم السيبراني في زمن الحرب وزمن السلم؟ يخلص تقرير «فورين بولسي» إلى أن تزايد استخدام الولايات المتحدة للهجمات الإلكترونية إلى جانب الهجمات التقليدية قد طمس الخط الفاصل بينهما، ويواصل إعادة تعريف مفهوم الحرب الحديثة. يقول ألكسندر ليزلي، كبير المستشارين في شركة «ريكوردد فيوتشر» للأمن السيبراني والاستخبارات: «تؤكد هذه الحرب فكرة أن الفضاء الإلكتروني جزء لا يتجزأ من الصراع الحديث، وليس مجرد عنصر ثانوي».

