: آخر تحديث

{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ}

4
4
3

ليلى أمين السيف

ليس الذكر كلماتٍ تُقال، ولا أرقامًا تُحصى، ولا سبحةً تُدار بين الأصابع لتطمئن النفس فحسب.

الذكر وعيٌ مستمر، وحضورٌ قلبي، وحالة اتصالٍ لا تُقاس بعدد المرّات، بل بصدق الحضور.

ذكر الله ليس صفقةً حسابية:

تستغفر مئة مرة، فتُمحى مئة خطيئة، وتنتهي القصة.

لو كان الأمر كذلك، لتحوّل الإيمان إلى معادلة باردة، ولصار الذنب هوايةً يعقبها استغفار سريع، بلا أثر ولا تربية.

ذات مرة، تناقشتُ مع صديقة لي حول الاستغفار والذكر. كنت مشوشة، متسائلة بصدق لا بسخرية.

كيف يُعقل أن يستغفر الإنسان مئة مرة، فتُرفع عنه خطاياه؟

أيعني هذا أنني إن سرقت، وضربت، وكذبت، ثم قلت: أستغفر الله انتهى الأمر؟

لم تُشفِ إجابتها ارتباكي حينها.

بقي السؤال عالقًا في ذهني لأن الروح كانت تبحث عن معنى أعمق، لا عن تبريرٍ مريح ومع الوقت فهمت.

أدركت أن الذكر لا يُوفَّق له كل أحد وأن الاستغفار بمعناه الصادق ليس متاحًا للجميع، وأن من يداوم على الذكر بصدق، هو في الغالب صالحٌ في الأصل، أو يحمل في قلبه بذرة خير لم تمت.

فالذكر ليس ممحاةً للخطايا بقدر ما هو مناعة ضدها. ليس تنظيفًا بعد القذارة، بل وقايةً منها. وهنا يأتي البيان القرآني فاصلًا لا توصيفًا شعوريًا.

{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت: 45)، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (45) سورة العنكبوت

لم يقل النص إن الصلاة والذكر يمحيان الفحشاء بعد وقوعها، بل قال: تنهى عنها. والنهي هنا ليس قسرا، ولا رقابة خارجية، بل تحوّلا داخليا في ميزان النفس.

فالذي يقف بين يدي الله حاضر القلب، ويُداوم على ذكره تُعاد صياغة وعيه فيستقبح ما كان يستهين به، ويثقل عليه ما كان يمرّ به بلا وخز. ليس لأنه فقد القدرة على الخطأ، بل لأنه فقد الطمأنينة إليه.

فالإنسان الذي يذكر الله حاضرًا، يستحي أن يكذب، والذي يستغفر بصدق، يضيق صدره بالظلم. والذي يلهج قلبه بالذكر، لا يطمئن للسرقة، ولا يهنأ بالأذى.

ومن هنا نفهم الرابط العميق بين الذكر وطمأنينة القلب، كما قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28).

فالطمأنينة هنا ليست سكونًا مخدِّرا، ولا راحة تُسكِت الضمير، بل امتلاء داخليا يجعل القلب غير محتاج للحرام كي يهدأ. القلب القَلِق يبحث عن الكذب ليحتمي، وعن الظلم ليشعر بالقوة، وعن المعصية ليملأ فراغه. أما القلب الذاكر، فقد امتلأ بما يغنيه، فلا يعود في حاجة إلى خطأٍ ليشعر بوجوده. وهكذا يتكامل المعنى.

الذكر ينهي عن الفحشاء لأنه يُغيّر الداخل، ويُطمئن القلب لأنه يملؤه، فلا يترك للذنب فراغًا يدخل منه. الذكر لا يعمل بعد السقوط فقط، بل يعمل قبل الخطأ.

في اللحظة التي يُعرض عليك الذنب، فيضع بينك وبينه حاجزًا غير مرئي

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر، مثل الحي والميت».

من هنا نفهم لماذا لا يصل الجميع إلى طمأنينة الذكر. ولماذا لا يشعر به من يجعله عادة لسان لا عبادة قلب. ولماذا لا تُفتح أبوابه إلا لمن طرقها بقلبٍ حي.

فالذكر لا يخلق الصلاح من العدم، لكنه يسقي ما بقي من خير حتى ينمو.

أخيراً، الذِّكر ليس ترفا إيمانيا، بل تحصينٌ خفيّ؛ يسبق الذنب فيمنعه، قبل أن يأتي الاستغفار ليمسح أثره. الذِّكر حرزٌ قاهر؛ يُغلق أبواب السوء، فإن لامس القلبَ طارقٌ، رُدَّ خائبا.

فاللهم لا تجعل ذكرنا عادة، ولا استغفارنا مجرد رقما، واجعل قلوبنا صالحةً لتلقّي نورك، قبل أن تجري أسماؤك وصفاتك على ألسنتنا.

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد