مع الحراك الإعلامي الذي تشهده الساحة الأميركية خصوصاً مع تبعات الكشف عن وثائق إبستين، نجد على سبيل المثال المواجهة الاعلامية الأخيرة ما بين مراسلة من شبكة "CNN" والرئيس الأميركي ترمب خير نموذج للعداء ما بين السياسي والإعلامي بعد هجوم ترمب على المراسلة بعد سؤال إعلامي لها، والتشكيك في مهنيتها وفي القناة التي تمثلها!
هذا المشهد متكرر بالفترة الأخيرة في علاقة ترمب مع بعض الإعلاميين، مما يجعلنا نتساءل، هل المواجهة مع الإعلام دليل قوة، أم بداية خسارة؟
بطبيعة الحال الإعلام، ليس خصماً، ولا منافساً على منصب، كونه مساحة اتصال بين المسؤول والمجتمع، قد يخطئ، وقد ينحاز، وقد يبالغ في الطرح، لكن تحويل العلاقة معه إلى عداوة مفتوحة لا يلغي تأثيره، بل يضاعف حضوره!!
حوادث ترمب ليست الوحيدة في التاريخ السياسي الأميركي، فهناك أمثلة شهيرة بهذا الخصوص، أبرزهم الرئيس الأميركي السابق نيكسون والذي تعامل مع الإعلام كخصم خلال أزمة (ووترغيت)، لكن المواجهة لم تُضعف الصحافة بقدر ما سرّعت نهاية مسيرته السياسية، وفي عالم الأعمال خسر الرئيس التنفيذي السابق لشركة (أوبر) كالانيك بسبب مواجهاته مع الإعلام خلال أزمات الشركة، وانتهى الأمر بمغادرته منصبه، وفي الرياضة لدينا في السعودية نماذج شهيرة، ولكن لن أتطرق لها حالياً لحساسية الواقع الإعلامي الرياضي لدينا، ولكن أشهر هذه النماذج عالمياً هو النجم الأرجنتيني ماردونا والذي دخل في مواجهات متكررة مع الصحافة تسببت في تركيزهم على أزماته الشخصية، على حساب إنجازاته الرياضية.
المسألة ليست دعوة للصمت أمام الإعلام، ولا إنكاراً لحق النقد المتبادل، لكن تحويل العلاقة إلى عداوة دائمة يختزل المشهد ويضعف الصورة العامة، لأن الإعلام حساس التعامل معه ولابد أن تكون الحكمة أساس العلاقة معه.
حادثة ترمب الأخيرة نموذج معاصر لمثال يتكرر عالمياً، عندما تكون المواجهات مباشرة أمام الكاميرات، صحيح أن البعض يراها صراحة وشجاعة، وآخرون يرونها تصعيداً غير ضروري، لكن الذكاء هنا لا يقاس بالقدرة على إسكات السؤال الصحفي، بل بالقدرة على احتوائه وتحويله إلى فرصة تواصل.
فالحقيقة الباقية أن الإعلام قد يتلقى نقداً، لكنه لا يختفي، أما السياسي، أو الرياضي، أو المسؤول الإداري، فصورته هي التي تتشكل أمام الجمهور، لذلك ومن وجهة نظري أن العلاقة المتوازنة مع الإعلام هي استثمار طويل المدى، ومعاداته خسارة ستظهر نتائجها حتى لو تأخرت!

