عبدالرحمن الحبيب
يظن كثيرون أنه يمكن التمييز بين إنتاج الذكاء الاصطناعي والإنتاج البشري، فمثلاً في العمل النصي المصطنع قد لا نجد أخطاء إملائية أو في قواعد اللغة، ولا تكرار عفوي في النص الذكي أو استخدام اللغة العامية، إضافة لتمييز أسلوب الكاتب..الخ؛ لكن حتى هذه أصبحت مدرجة في برمجة الذكاء الاصطناعي، وصارت المؤشرات والملاحظات التي تساعد على التمييز بين الأعمال البشرية والمصطنعة ليست قطعية حتى للمحترفين، مما يترتب على ذلك إشكالات وتساؤلات حول حقوق الملكية الفكرية وقضايا قانونية وأخلاقية واقتصادية متنامية، لا سيما أن تقنيات إنتاج الذكاء الاصطناعي تتطور لدرجة تجعل من شبه المستحيل تمييزها عن الإنتاج البشري.
هذا ما أظهرته نتائج الدراسات الاستقصائية والاستطلاعية وما يقوله خبراء التفريق بين إنتاج الذكاء الصناعي والبشري بأنه لا يمكنك الجزم ما إذا كان العمل الفني أو النص تم انشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، بل حتى الشركات التي تبيع أدوات كشف الذكاء الاصطناعي «تعترف» بأنها لا تستطيع ضمان دقة التمييز لأن «كتابة البشر متنوعة جداً» ولأن النماذج الاصطناعية تتطور باستمرار.
على سبيل المثال، وجدت دراسة استقصائية حديثة أجرتها شركة إيبسوس لصالح خدمة البث ديزر أن 97 بالمائة من 9000 مشارك لم يتمكنوا من التمييز بين أغنية بشرية وأخرى تم إنشاؤها بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي في اختبار أعمى. وقد أعرب 70 % من المشاركين في الاستطلاع عن اعتقادهم بأن الموسيقى التي أنتجها الذكاء الاصطناعي تُهدد سبل عيش الموسيقيين البشريين، بينما أبدى 64 % منهم مخاوفهم من أنها ستُقلل من الإبداع في هذا القطاع.
كذلك، بدراسة أجراها باحثون بجامعة بيتسبرغ بولاية بنسيلفانيا الأمريكية (2024) في تجربة على أكثر من 1600 مشارك وأخرى تضمّ نحو 700 مشارك، وجدت أن المشاركين لم يتمكنوا من التمييز بين القصائد التي كتبها شعراء بشريون وتلك التي أنشأها الذكاء الاصطناعي، بل كانت قدرة المشاركين على تحديد المؤلف بشكل صحيح أقل من مستوى الصدفة (46.6 %)، والأدهى من ذلك أن المشاركين كانوا أكثر ميلاً لتفضيل قصائد الذكاء الاصطناعي، واعتقدوا خطأً أنها من تأليف بشري، كما وجدوا أن قصائد الذكاء الاصطناعي كانت أكثر وضوحًا وسهولة في الفهم، بينما أُسيء فهم تعقيد وتجريد بعض القصائد الكلاسيكية البشرية.
ورغم أن ثمة مؤشرات أو علامات للتفريق بين إنتاج النص البشري والذكاء الاصطناعي، مثل وجود أخطاء إملائية أو قواعد اللغة مما يشير إلى أن العمل بشري، لكن لا ينبغي الاطمئنان كثيراً، لأن النماذج الاصطناعية يمكن برمجتها لإضافة أخطاء أيضاً.
هناك دلائل عديدة مثل المفردات والبنى المتكررة (القوائم/ العناوين الفرعية)، واللغة العامية؛ وكذلك المقارنة الزمنية لأسلوب الكاتب التي تُمكِّن من كشف تحولات أسلوبية مقارنة النص بأعمال سابقة لكاتب معروف.
لكن وجود أدلة متضاربة حول كيفية اكتشاف نصوص الذكاء الاصطناعي «يزيد الأمر تعقيداً، حيث يُقال إن التكرار علامة على الذكاء الاصطناعي، ويُقال أيضاً إن «التنوع» علامة، كما ذكرت الكاتبة إيلين مور (فايننشال تايمز)، التي تروي تجربة شخصية عندما أمضت 15 دقيقة تتحدث على واتساب مع «وكيل عقارات» ثم اكتشفت لاحقاً أنه مجرد روبوت محادثة؛ لم يكن هناك شيء غريب في لغته، ولم تعرف الحقيقة إلا عندما اعترف بذلك، الأمر الذي أغضبها ودفعها إلى حظره على الفور.
وتخلص الكاتبة إلى أن السياق هو العامل الأكثر موثوقية، موضحة: إذا كان هناك شخص معروف بإيجازه في الكتابة ثم كتب فجأة 800 كلمة بلغة مزخرفة، فربما يكون قد استخدم الذكاء الاصطناعي؛ وبالمثل، إذا حاول «وكيل عقارات لطيف» الدردشة معك على واتساب، فمن الأفضل أن تسأله إن كان حقيقياً. وتنتقد الكاتبة غياب الرغبة في فرض «علامات مائية» أو أدوات واضحة للتمييز، مشيرة إلى أن شركات التكنولوجيا أقنعت العالم بأن أي قيود ستعيق «التنافس على التفوق».
وتذكر الدراسات أنه غالبًا ما يستطيع مستخدمو الذكاء الاصطناعي بكثرة اكتشاف نصوص الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل من المتوسط، لكن حتى الخبراء يخطئون، وتظهر الدراسة المذكورة لشركة إيبسوس لصالح خدمة البث ديزر أن أغلبية كبيرة (80 %) من المستمعين تعتقد أنه يجب تصنيف الموسيقى التي أنتجها الذكاء الاصطناعي بنسبة 100 % بوضوح على منصات البث.
وتُعدّ ديزر حاليًا منصة البث الرئيسية الوحيدة التي تكتشف تلقائيًا المحتوى المُولّد بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي وتُصنّفه بوضوح لمستخدميها، ما يستبعده من التوصيات الخوارزمية وقوائم التشغيل التحريرية، وتُفيد المنصة بتحميل حوالي 50,000 مقطع موسيقي مُولّد بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي يوميًا.
لكن: هل يهم فعلاً إن كان النص مثلاً قد كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ أو بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي؟ هل يمكن أن يمهّد هذا النموذج الطريق لطريقة جديدة في ممارسة الكتابة والإبداع والفلسفة؟ يتساءل مدير مجلة «ليسبريسو» الإيطالية، إيميليو كاريلي، ويجيب: «إذا كان الأمر كذلك، فإن التجربة الناجحة تعلّمنا شيئاً مهماً: يمكننا أن نقيم علاقة فاعلة مع الذكاء الاصطناعي، وقبل كل شيء، يمكننا استخدامه لنتعلم كيف نفكّر».

