: آخر تحديث

ضمير إنساني

3
4
2

تجسد المواقف في لحظات الاختبار الكبرى جوهر الدول وقيمها، وتكشف بوضوح عن موقعها الأخلاقي في خريطة العالم المضطرب. وفي المشهد السوداني المأزوم، حيث تتقاطع الفوضى مع معاناة المدنيين، جاء موقف المملكة العربية السعودية معبراً عن ثبات سياسي، ووضوح أخلاقي، وانحياز صريح للإنسان، في مواجهة انتهاكات جسيمة تجاوزت كل الخطوط الإنسانية.

إدانة المملكة للهجمات الإجرامية التي استهدفت مستشفى الكويك العسكري، وقافلة برنامج الغذاء العالمي، وحافلة تقل نازحين مدنيين في ولايتي شمال وجنوب كردفان، تعكس رؤية سياسية ترى في حماية المدنيين معياراً أساسياً لأي شرعية، وفي احترام القانون الدولي الإنساني التزاماً غير قابل للمساومة. هذه الإدانة لم تكن مجرد تعبير دبلوماسي تقليدي، بل جاءت محملة برسائل سياسية واضحة تجاه طبيعة الصراع، وحدود السلوك المقبول فيه.

المملكة، في موقفها، أعادت التأكيد على أن استهداف المنشآت الطبية والإغاثية، وقتل المدنيين، ومن بينهم النساء والأطفال، يمثل انتهاكاً صارخاً للأعراف الإنسانية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ويقوض أي مسار سياسي يمكن أن يفضي إلى حل مستدام. هذا الخطاب يعكس فهماً عميقاً لتعقيدات الأزمة السودانية، ووعياً بأن إطالة أمد الصراع ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستمرار هذه الممارسات المنفلتة.

ومن موقعها الإقليمي والدولي، شددت المملكة على ضرورة التزام قوات الدعم السريع بواجباتها الأخلاقية والإنسانية، وتأمين وصول المساعدات الإغاثية دون عوائق، وفق ما نص عليه إعلان جدة الموقع في مايو 2023، هذا التأكيد يعكس استمرارية الدور السعودي كطرف فاعل في دعم المسارات الإنسانية والسياسية، بعيداً عن منطق الاصطفاف، وقريباً من منطق المسؤولية.

كما جددت المملكة موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، والحفاظ على مؤسساته الشرعية، ورفض التدخلات الخارجية، وإدخال السلاح غير المشروع والمرتزقة والمقاتلين الأجانب. وهو موقف يتسق مع سياسة سعودية ثابتة ترى أن استقرار الدول العربية ركيزة أساسية لأمن المنطقة، وأن تفكيك الدول يفتح أبواباً للفوضى العابرة للحدود.

في هذا السياق، تبرز المملكة كصوت عقلاني في زمن الانفلات، وصاحبة موقف متزن يجمع بين الإدانة الصارمة، والدعوة للحل السياسي، والانحياز الصادق لمعاناة الشعب السوداني الشقيق حيث يحمل الموقف السعودي دلالة تتجاوز الحدث الآني، إذ يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن الصمت الدولي أمام استهداف المدنيين والمنشآت الإنسانية يكرس مناخ الإفلات من المحاسبة، ويغذي دوامات العنف في النزاعات الداخلية. من هذا المنطلق، تؤكد المملكة أن أي عملية سياسية جادة في السودان تظل رهينة بوقف الانتهاكات، واحترام الالتزامات الإنسانية، وخلق بيئة آمنة تسمح بعودة العمل الإغاثي دون تهديد أو ابتزاز. وهو طرح يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، ويضع حماية الإنسان في قلب أي تسوية مستقبلية، بوصفها المدخل الوحيد لإعادة بناء الثقة، ووقف النزيف، واستعادة السودان لدوره الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد