: آخر تحديث

معرض الدفاع العالمي

2
2
2

لم يعد معرض الدفاع العالمي حدثًا تقنيًا يُقاس بحجم المعروضات أو تطور الأنظمة فقط، بل أصبح مؤشرًا على تحوّل أعمق في نظرة الدول إلى مفهوم السيادة الصناعية، والعلاقة بين الأمن والاقتصاد، وبين الشراكات الدولية وبناء القدرات الوطنية. وفي هذا السياق، يبرز تنظيم المملكة العربية السعودية لمعرض الدفاع العالمي بوصفها محطة استراتيجية تؤكد انتقالها من موقع الاستهلاك إلى موقع الشراكة والتصنيع والتأثير.

تحت رعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- يأتي المعرض امتدادًا لمسار وطني واضح يهدف إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية مستدامة، تُسهم في تعزيز الأمن الوطني، وتدعم الاقتصاد، وتفتح آفاقًا جديدة لتوطين المعرفة ونقل التقنية. هذه الرعاية تعكس قناعة راسخة لدى القيادة بأن الصناعات الدفاعية لم تعد قطاعًا مغلقًا، بل رافعة تنموية وسيادية في آن واحد.

منذ النسخة الأولى، حمل المعرض رسالة مفادها أن المملكة تدخل هذا القطاع بعقل الدولة لا بعقل السوق فقط. ومع النسخة الثانية التي عُقدت في عام 2024، ترسخت هذه الرسالة بالأرقام؛ إذ شارك في المعرض أكثر من 770 جهة عارضة من نحو 75 دولة، واستقطب ما يزيد على 106 آلاف زائر من المختصين وصنّاع القرار، وأسفر عن توقيع أكثر من 70 اتفاقية وصفقة تجاوزت قيمتها 26 مليار ريال سعودي، شملت مجالات التصنيع والدعم الفني وسلاسل الإمداد ونقل التقنية والتطوير المشترك، وفق البيانات الختامية للجهات المنظمة.

أما النسخة الحالية من معرض الدفاع العالمي، فتأتي بزخم أكبر ونطاق أوسع يعكس انتقال الحدث إلى مرحلة أكثر نضجًا وتأثيرًا. ووفق ما أعلنته الهيئة العامة للصناعات العسكرية في موقعها الرسمي، تستقطب النسخة الثالثة من المعرض 925 جهة عارضة من 80 دولة، مع توقع حضور نحو 130 ألف زائر من المتخصصين والمهتمين بقطاع الدفاع، وعلى مساحة عرض تبلغ 800 ألف متر مربع، ما يجعلها واحدة من أكبر منصات صناعة الدفاع عالميًا من حيث الحجم والمشاركة.

هذا التوسع العددي والنوعي لا يقتصر على المساحة أو عدد العارضين، بل ينعكس في طبيعة القطاعات المشاركة، حيث يشهد المعرض تركيزًا متقدمًا على الأنظمة غير المأهولة، والتقنيات البحرية، ومختبرات الابتكار الدفاعي، وسلاسل الإمداد الوطنية، بما يؤكد انتقال المعرض من مرحلة العرض إلى مرحلة التعمق الصناعي وبناء القيمة المضافة داخل المملكة.

المشاركة الدولية الواسعة في المعرض تحمل دلالات مهمة؛ فحضور شركات ودول من الشرق والغرب يؤكد أن المملكة أصبحت منصة موثوقة للتعاون الصناعي الدفاعي، تقوم على المصالح المتبادلة ونقل المعرفة، لا على الصفقات قصيرة الأجل. المعرض لا يقوم على مفهوم “ضيف الشرف”، بل يرسّخ نموذج الشراكة المتكافئة، حيث تُناقش المشاريع طويلة المدى، وتُبنى التحالفات الصناعية، وتُربط سلاسل الإمداد المحلية بالأسواق العالمية.

اقتصاديًا، يمتد أثر المعرض على مستويين متكاملين. مباشرًا، عبر الصفقات والاتفاقيات التي تجذب الاستثمارات وتدعم المحتوى المحلي وتفتح أسواقًا جديدة أمام الشركات الوطنية. وغير مباشر، من خلال تحفيز منظومة الصناعات العسكرية المحلية، وربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بسلاسل الإمداد العالمية، وخلق فرص عمل نوعية في مجالات الهندسة، والتقنية والبحث والتطوير. وبهذا المعنى، يتحول المعرض إلى أداة اقتصادية استراتيجية، لا مجرد فعالية موسمية.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز هدف توطين الصناعات العسكرية بوصفه العنوان الأهم. فالهيئة العامة للصناعات العسكرية تقود هذا المسار ضمن مستهدف واضح يتمثل في رفع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 50 % بحلول عام 2030. ويُعد معرض الدفاع العالمي إحدى الأدوات التنفيذية لهذا التوجه، عبر جذب شركاء قادرين على نقل التقنية، وتأسيس خطوط إنتاج محلية، وتدريب الكفاءات السعودية، وبناء قدرات صناعية مستدامة.

ولا يمكن قراءة ما حققه معرض الدفاع العالمي من حضور دولي ونضج صناعي دون الإشارة إلى الدعم الحكومي الرفيع الذي يحظى به هذا الحدث الاستراتيجي. فالرعاية الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- تعكس إيمان القيادة الرشيدة بأهمية بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، بوصفها ركيزة من ركائز الأمن والتنمية المستدامة.

كما يأتي هذا المعرض ضمن منظومة متكاملة تحظى بدعم ومتابعة من صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- الذي جعل من توطين الصناعات العسكرية ونقل التقنية وتمكين الكفاءات الوطنية أحد المسارات الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030 ويُسجَّل التقدير لصاحب السمو الملكي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- على افتتاحه معرض الدفاع العالمي، بما يعكس اهتمام القيادة بترسيخ هذا الحدث بوصفه منصة استراتيجية للصناعات الدفاعية، ودوره في تعزيز الشراكات الدولية، ودعم مستهدفات التوطين ونقل التقنية وبناء القدرات الوطنية.

كما يُثمَّن الدور الذي تقوم به وزارة الدفاع، والهيئة العامة للصناعات العسكرية، والقائمون على تنظيم المعرض، والرعاة والشركاء من القطاعين العام والخاص، في إخراج هذا الحدث بصورة تعكس مكانة المملكة وقدرتها على بناء منظومة صناعية دفاعية متكاملة ذات أثر اقتصادي وسيادي طويل الأمد.

في المحصلة، لم يعد معرض الدفاع العالمي مجرد مساحة عرض، بل أصبح مرآة لتحول استراتيجي أعمق تقوده المملكة بثبات. دولة تبني أمنها بقدراتها، وتستثمر في صناعتها، وتفتح أبوابها لشراكات تضيف قيمة حقيقية. هكذا تُدار الصناعات السيادية في الدول الطامحة… وهكذا ترسّخ المملكة العربية السعودية موقعها كمنصة عالمية لصناعة الدفاع، بثقة ووضوح ورؤية بعيدة المدى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد