صيغة الشمري
في قلب الصحراء السعودية، تتشكل العلا كمنصة اقتصادية عالمية، تترجم التاريخ العريق إلى فرص اقتصادية معاصرة، فمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، الذي انعقد يومي 8 و9 فبراير، يعتبر منصة فاعلة لصياغة السياسات الاقتصادية، وبناء التفاهمات الدولية، وإعادة رسم ملامح النمو والاستقرار المالي في مرحلة اقتصادية تتسم بالتحولات العميقة.
النسخة السابقة من المؤتمر شكلت محطة فارقة، شهدت مشاركة ممثلين عن 48 دولة و37 متحدثاً ضمن 11 جلسة حوارية، وأثمرت عن توقيع ثلاث اتفاقيات ثنائية، ما أكد قدرة المؤتمر على الانتقال من منصة نقاش إلى مساحة تعاون عملي ملموس بين الجهات المشاركة، فهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الاقتصادات الناشئة لم تعد متلقية للتأثيرات الخارجية، وأصبحت شريكاً أساسياً في صياغة الحلول الاقتصادية العالمية، وقادرة على تقديم تجارب ونماذج ستفيد النظام الاقتصادي الدولي . وإذا نظرنا إلى ما تحمله العلا من رمزية تاريخية، تعكس تلاقي الماضي بالحاضر، نتأكد - بما لا يدع مجالاً للشك - أنها منصة مثالية للحوار الاقتصادي الدولي في موقع شهد عبر العصور حركة تجارة وتواصل بين الحضارات، فالمكان ليس مجرد إطار للمؤتمر، إنما جزء من رسالته، حيث يعكس التحول السعودي نحو استثمار الرموز الحضارية لتصبح مساحات حية لصياغة الأفكار الاقتصادية الكبرى. ومما زاد من أهميته هو الاهتمام بتسليط الضوء على تحديات الاقتصاد العالمي الراهن، من التحولات التقنية إلى تغيرات السياسات المالية والنقدية، وصولاً إلى استغلال فرص الذكاء الاصطناعي والرقمنة في تعزيز الإنتاجية والشمول المالي، بينما تؤكد المداخلات على أن استقرار ونمو الاقتصادات الناشئة يمثل مكسباً عالمياً، ليس فقط لتلك الدول، بل لدعم الاقتصادات المتقدمة وتجنب انتقال الأزمات عبر الحدود.
من خلال هذه المنصة، يمكن أن ترسخ السعودية دورها محركاً للحوار الاقتصادي الدولي، داعمة للشراكات بين الدول، وممكنة للاقتصادات الناشئة من لعب دورها الكامل في رسم ملامح مستقبل الاقتصاد العالمي، فالعلا تمثل رمزاً لتجربة اقتصادية متكاملة، تجمع بين التاريخ والحاضر، وبين الفكر والعمل، لتصبح مساحة حقيقية لتبادل الأفكار وتحويلها إلى سياسات تنموية مستدامة.

