: آخر تحديث

إرهاب «البطاطس المهروسة»!

2
1
1

محمد ناصر العطوان

كيف كدتُ أشعل حرباً أهلية بقطعة لحم! وكيف كدت أن أشعل أزمة دبلوماسية غذائية بسبب البطاطس المهروسة؟ في البداية، لا تقلق عزيزي القارئ، فهذا المقال خالٍ من الغلوتين، واللحوم، والبطاطس المهروسة، حفاظاً على المشاعر العامة.

في رحلات الطيران، عادة ما يكون أكبر مخاوفك هو طفل يصرخ في المقعد الخلفي، أو شخص يقرر أن يخلع حذاءه ليعلن الحرب البيولوجية على الركاب... لكن في رحلتي الأخيرة من الكويت إلى إحدى الدول الخليجية، اكتشفت نوعاً جديداً من الرعب... «رعب المضغ».

كنت أجلس بسلام، بجانبي سيدة فاضلة وابنتها الشابة، يبدو عليهما الوقار والهدوء. مرّ المضيف، فسألهما عن الغداء، فطلبتا «ماء وعصير برتقال» فقط، بنبرة زاهدة تذكرك بنساك التبت الذين يعيشون على التمثيل الضوئي.

أما أنا، العبد الفقير إلى الله، فطلبتُ «لحماً مع بطاطس مهروسة»... وهو اختيار كلاسيكي لرجل جائع لا يهتم كثيراً بمعايير «ميشلان» للجودة الجوية.

وما إن حطت صينية الطعام أمامي، حتى تحول المشهد الهادئ إلى فيلم رعب صامت.

فجأة... وبدون سابق إنذار، دارت السيدتان بجسديهما نحو النافذة كأنهما تهربان من انفجار نووي! الفتاة دخلت في نوبة رعشة، غطت وجهها بالكامل، والأم بدأت تهمس بتعاويذ غريبة وتقول لابنتها «تنفسي... تنفسي... لا تنظري!».

وقبل أن «أرشق» الشوكة في قطعة اللحم... تجمدتُ وفي يدي الشوكة... وشعرت أنني سوف أتسبب في أزمة كبيرة... نظرتُ إلى قطعة اللحم بدت لي بريئة ومطهية جيداً. نظرتُ إلى البطاطس... كانت مهروسة بسلام.

ماذا حدث؟

هل تحولت قطعة اللحم فجأة إلى رأس مقطوع؟

هل خرجت البطاطس عن صمتها وبدأت تشتمهما؟

بدأ عقلي «الإستراتيجي» يعمل بأقصى طاقة لتحليل الموقف:

* الفرضية الأولى (الاحتباس النباتي): هل هما من جماعة «النباتيين المتطرفين» (Vegans) الذين يعتبرون رؤية شخص يأكل اللحم جريمة إبادة جماعية؟ هل الفتاة ترى في طبقي «محرقة» للأبقار؟ شعرتُ فجأة أنني «هولاكو» العصر الحديث، وأن شوكتي هي سيفي الملطخ بالدماء.

* الفرضية الثانية (الشك الشرعي): هل اعتقدتا أن اللحم غير مذبوح على الطريقة الإسلامية؟ لكننا نسافر من الكويت إلى دولة خليجية، يعني اللحم «حلال» حتى النخاع، هل خافتا أن تنتقل «عدوى الحرمانية» عبر الهواء؟

* الفرضية الثالثة (المؤامرة البيولوجية): هل تعتقدان أنني سآكل الوجبة ثم أتحول إلى «زومبي»؟ وبينما الأم تخرج لسانها وتدخله (في حركة لم أفهم هل هي تمرين يوغا أم طقس لطرد الأرواح الشريرة)، شعرتُ بضغط نفسي هائل... شعرت أن كل قضمة سأتناولها ستكون بمثابة «طعنة خنجر» في قلب الإنسانية.

هنا، قررتُ اتخاذ «قرار الانسحاب التكتيكي».

ناديت المضيف بابتسامة منكسرة، وقلت له بصوت خافت: «شيل الأكل لو سمحت...».

سحب المضيف الصينية (وهو ينظر لي نظرة من يعتقد أنني مجنون طلبت الأكل لأتصور معه فقط).

وفجأة... يا سبحان الله!

عاد الهدوء... توقفت الرعشة... انزاح الغطاء عن وجه الفتاة... استدارت الأم وابتسمت وكأنها تشكرني بصمت إنسانة متدينة. عادت الحياة طبيعية، رغم أن رائحة اللحم لا تزال تعبق في الطائرة لأن الصف الذي أمامي والذي خلفي كان يلتهم الأخضر واليابس!

إذاً، المشكلة لم تكن في الرائحة... المشكلة كانت في «مشهد الجريمة» نفسه. المشكلة كانت في فكي الذي كان يستعد للمضغ.

جلستُ بقية الرحلة أشرب عصير البرتقال، وأنا أفكر في هذا العالم المعقد... عالم أصبح فيه تناول الغداء فعلاً عدوانياً، وأصبحت فيه مراعاة مشاعر الآخرين تتطلب منك أن تموت من الجوع بصمت.

نزلتُ في المطار وأنا أجر حقيبتي ومعدتي الخاوية... وبمجرد أن وصلت الفندق وذهبت إلى غرفتي، فتحت «لابتوبي» وبدأت أبحث عن هذه الظاهرة، فاكتشفت أن هناك ثلاثة تفسيرات لها:

الأول هو «الإيميتوفوبيا» (رهاب القيء): وهذا هو التفسير الأقوى؛ وهو خوف مرضي شديد من القيء أو رؤية الطعام الذي قد يسبب الغثيان، فرائحة طعام الطائرة (خاصة اللحم والصلصة الساخنة) تكون نفاذة جداً ومميزة، وكثير من الناس يشعرون بالغثيان منها.

التفسير الثاني هو «اضطراب المعالجة الحسية»: حيث قد تكون الفتاة تعاني من حساسية مفرطة جداً تجاه الروائح، ورائحة اللحم الساخن في مكان مغلق مثل الطائرة قد تسبب لها انهياراً حسياً، مما يدفعها للانغلاق على نفسها وتغطية وجهها لعزل الرائحة.

أما التفسير الثالث -وهو الأضعف- فهو «الميزوفونيا» (كراهية الصوت): حيث إن بعض الأشخاص يصابون بغضب وهلع شديد من أصوات «المضغ» والأكل، وبمجرد رؤيتي أستعد للأكل، ربما دخلت الفتاة في نوبة خوف مسبق من الأصوات التي ستصدر.

في نهاية اليوم، ذهبت إلى فراشي... أغمضت عيني ونمت وفي أحلامي ظهرت لي الأم، وقالت لي بصوت وقور: «شكراً لك... لقد كان تصرفاً نبيلاً منك».

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يراد به وجه الله... يضمحل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد