: آخر تحديث

الخريف الاستراتيجي

0
0
0

كل شيء صارَ ماضياً، والماضي لا يستعاد، فكأنَّ الشهر الأخير من العام المنصرم صاغ مستقبلاً قبل أن يقع، وبعد بضعة أسابيع من ظهور ملحق الرئيس الأميركي دونالد ترمب للنَّص الأصلي من وثيقة الرئيس الخامس جيمس مونرو، حتى تم تنفيذ ما جاء صوتاً لصدى الوثيقة الاستراتيجية الأميركية.

فقد هبط من السماء على نصف الكرة الأرضية، ونفذ عملياً ما قال به في وثيقته، فقد وجدت العاصمة الفنزويلية كاراكاس نفسها في الخلاء، كان حظها أن وجدت نفسها ملاصقة للجغرافيا، فصارت الخطوة الأولى لتأمين النصف الغربي من الكرة الأرضية.

اللحظة تصعد من التكتيك إلى الاستراتيجية فوراً، دون المرور على معمل الزمن الذي يتناسب مع فكرة الاستراتيجية، وكأننا نقول إننا أمام لحظة «الخريف الاستراتيجي»، فلا وقت للأفكار التي تنفذ على مهل وببطء وبعمق وتدور مع الزمن، فكل شيء بات ابن اللحظة: إعطاء الأمر، التنفيذ، العودة، هل جرى ذلك في قصف أميركا لنيجيريا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي؟ وهل لذلك علاقة بقصف التنظيمات والجماعات الإرهابية في سوريا أيضاً؟ وهل لذلك علاقة بما كتبه الرئيس دونالد ترمب، على موقع «تروث سوشيال»، بأنه سيتدخل لحماية المتظاهرين في إيران إذا ما تعرضوا للاغتيالات؟ وهل يكتم العالم أنفاسه تحسباً لمغامرة جديدة؟

وهل هناك معنى أو مغزى وراء ظهور وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو، الذي كتب على موقع «إكس»، مخاطباً الشعب الإيراني، بأن يواصلوا وأنه معهم، مؤكداً أنه قريب منهم؟ تلك الأسئلة لا تبتعد كثيراً عن أن خطوة التنفيذ تتماهى مع التصريحات، ويبدو العالم من غرب أفريقيا إلى شمال أميركا اللاتينية إلى مضيق تايوان، إلى حدود القرن الأفريقي، ينتفض في مشهد جديد، كمن يرمي ملابسه القديمة، ويبدأ صفحة بيضاء قائمة على مفهوم «سلام القوة»، فلا مفاوضات، ولا تمهيد ولا غرف اجتماعات، بل هي الصواريخ فرط صوتية، والمسيرات، والطائرات فائقة الذكاء الاصطناعي، تقريباً ينتهي عالم القواعد، عالم المنظمات الدولية، عالم الأقطاب، عالم القطبية، عالم القطب الواحد إلى عالم الدولة القومية العظمى في وثيقة ترمب، تلك القلعة الحصينة، التي تريد أن تكون بقية العالم مجرد سور هش لا يهددها، ولا يستغلها، ولا هي تدافع عن أحد أو تموله، أو تحميه حتى من نفسه، فالحلفاء هكذا يكونون إذا ما دفعوا حصة عادلة في الدفاع عن أنفسهم، وإذا ما كانوا حكماء، وعاقلين في التجارة والسلع. وفي كل الأحوال، على الجميع أن يجعل الممرات البحرية سلسلة مفتوحة لا يعكر صفوها قرصان أو قراصنة، أو تنظيم، أو حتى دولة شاء حظها أن يمر بها هذا البحر، أو ذاك المضيق.

لا شك أن العالم يعيش بقوة مرحلة «الخريف الاستراتيجي»، وكل واحد يتحسس رأسه، يندهش من اندفاع الخريف، إلى مستوى خيالي لا تحكمه قواعد أو قوانين، بل هي بداية للعبة عالمية جديدة، تتشكل في دهاليز الإدارة الأميركية، التي شطبت ثمانين عاماً من عالم المنظمات والقوانين الدولية، لتكتب نظاماً عالمياً بمواصفات خاصة تقوم على تحصين المصالح الأميركية أولاً، في ظل صراع نفوذ يتمدد بين قوى تستشعر الخطر على خرائطها، وعلى نفوذها العالمي، وعلى خطوط اقتصاداتها، وكأن رقعة الشطرنج تتزاحم حول مفهوم الامتلاك الطاغي للقوة الرقمية، والمعرفة، والمعادن النادرة، ناهيك عن الطاقة التقليدية البترول والغاز، وذلك يتزامن مع تراجع الروابط الدبلوماسية التي سادت بين الدول منذ عصر اتفاق ويستفاليا عام 1648، والذي تطور بعده مفهوم الدبلوماسية الشاملة بين الدول، وشكّل هذا التطور حصانة للمجتمع الدولي، لكنه يتصدع الآن بفعل المغامرات.

لم تكن المناورة الصينية في بحارها، وبالقرب من تايوان، سوى رسالة عكسية لتلك الاستراتيجية المباغتة، ولم تكن التصريحات الأوروبية عما جرى في كاراكاس سوى إتقان دبلوماسي، لا يغني ولا يسمن من جوع، فأوروبا قالت عن ضرورة احترام الديمقراطية، فبمعنى من المعاني أنها أمسكت العصا من المنتصف، فهي تريد أن تكون وفية لتقاليدها الديمقراطية بشكل عام، لكنها تحاذي صدى الصوت للعبة الأميركية الكبرى في النصف الغربي من العالم، لم تبتعد التصريحات الدبلوماسية الروسية عن السياق الذي تراه موسكو، لكنها تقع في حيرة، فهي تشتبك مع أوكرانيا بنفس الأدوات السياسية والعسكرية، لذا جاءت «لحظة كاراكاس» مباغتة للجميع، الموافق قبل الرافض، وبالتالي ثمة متغير في الفصول العالمية الأربعة، نستطيع أن نسميه متغير «سلام القوة»، ذلك الذي يضعنا أمام سيناريوهات مفتوحة أخطرها أن ينزلق العالم إلى استلهام هذه الفلسفة، فيندفع في حروب قاسية وسريعة، لا تحكمها أسس أو استراتيجيات أو تكتيكات، وقد تقترب من مفهوم خطير هو الحرب للحرب، فكل من يمتلك قوة يستطيع حينها أن يستخدمها ضد من يراه عدواً، فلا مراجعة، ولا مفاوضة، ولا رادع يحمي الخرائط والشعوب من جحيم هذا الخريف الاستراتيجي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد