: آخر تحديث

تخبُّطات أنيس فريحة

6
5
6

كنتُ قد ذكرتُ أنَّ سيد قطب في آخر سطر من كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، كان لديه نتفة بسيطة عن مفهوم الكتلة الإسلامية الذي دعا إليه سياسيو دولةِ باكستان منذ استقلالها عام 1947. وبعد عودته من بعثته التدريبية في أميركا في 23 أغسطس (آب) 1950، عرف عنه أكثر من خلال شرح وزراء باكستانيين له، فطفق يدعو له مرة أخرى بحماسة سياسية وآيديولوجية في مقالات كتبها ما بين عامَي 1951 و1952، ونشر بعضها في كتابه «السلام العالمي والإسلام» الصادر عام 1951. الدعوة إلى كتلة إسلامية هي دعوة متجددة لدعوة أقدم منها، وهي الدعوة إلى الجامعة الإسلامية إبَّان انحلال الإمبراطورية العثمانية وتفككها، لكنها نشأت لسبب مختلف، وهو رغبة باكستان في حشد العالم الإسلامي معها في مواجهة الهند. وكانت من الشبهات التي تثار حولها أنَّها تحظى بمباركة بريطانية.

وقد رد سيد قطب في أحد مقالاته – مقالات الكتلة الإسلامية – على هذه الشبهة، فقال: «إن الجامعة العربية حركة قومية عنصرية بعيدة عن الروح والضمير، وحركة الجامعة الإسلامية حركة عقيدة وبعث روحي شامل. فإذا جاز لعملاء الاستعمار أن يوجهوا الجامعة العربية أو يعرقلوها، فإن الجامعة الإسلامية تستعصي على التوجيه»!

وكان شودري خليق الزمان رئيس الرابطة الإسلامية في باكستان في محفل بالقاهرة ضم باكستانيين ومصريين، قبله بعامين ونصف العام، ضمن كلمة ألقاها، طالب بإلغاء الجامعة العربية!

تدقيقي في قول أنيس فريحة: «وسيد قطب يقول للعالم العربي»، يفضي بي إلى تدقيق ثالث، وهو اعتباره كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب ممثلاً للفكر العربي في تخبطه. وكان يعني بالفكر العربي، الفكر العربي المعاصر وليس الفكر العربي من سالف أزمانه، بدليل أنه قبل المقتبس الذي أوردته في المقال السابق قد قال: «ولكن يهمني أن أشير إلى قضية الفكر العربي وتخبطه وسط هذه التيارات الحديثة الجارفة».

إن هذا الكتاب يصلح أن يكون مثالاً للفكر الإسلامي المعاصر، وليس للفكر العربي المعاصر.

إن الفكر العربي المعاصر يصح تسميةً أن يطلق على الاتجاهات في العالم العربي التي يغلب عليها الميسم الناسوتي، والفكر الإسلامي المعاصر يصح تسميةً أن يطلق على الاتجاهات في العالم العربي أو في العالم الإسلامي التي يغلب عليها الميسم اللّاهوتي.

وأما كتاب «من هنا نبدأ» فيصلح أن يدرج في هاتين التسميتين: الفكر الإسلامي المعاصر، والفكر العربي المعاصر؛ لأنه اجتمع فيه الميسم اللّاهوتي والميسم الناسوتي.

أمران حيّراني في نقد أنيس فريحة الإجمالي لكتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، ولكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب:

أولهما، حين رأى أن هذين الكتابين هما أفضل تمثيل على تخبط الفكر العربي، وصف رأيه بـ«الوضيع»!

إن في هذا الوصف إسرافاً عاماً بالتواضع إلى حد الضعة والهوان. وهذا تواضع نافر ومستهجن. وكأني به في هذا المقام يستعير عبارات التواضع الديني التي يستعملها مؤلفون قدامى، ومؤلفون على الطراز القديم، كـ«الحقير» و«الفقير» وما شابههما، لكنهم كانوا حقراء وفقراء إلى عفو ربهم. وأنيس فريحة بمناسبة نقده للفكر العربي المعاصر أو للفكر الإسلامي المعاصر لم يكن بحاجة إلى عفوهما، وإلى التهوين من شأن رأيه فيهما.

ثانيهما، أنه حين وصف الفكر العربي المعاصر بالتخبط، كتب هامشاً استدراكياً، قال فيه: «قد يكون في هذا التخبط دلائل حيوية ونشاط، وهذا أمر لا ننكره»!

إنه بصيغة أخرى هوّن بهذا الهامش الاستدراكي مرة ثانية من شأن رأيه في الفكر العربي المعاصر، بما لا يتناسب مع نقده الإجمالي ذي الطابع الوثوقي للكتابين.

إن نقده الإجمالي للكتابين يتأرجح بين منطق قطعي وثبوتي، ومنطق ظني واحتمالي. وهذا التأرجح بين هذين المنطقين يعبر عن تردد وارتباك.

والتردد والارتباك تجلّى في خاتمة نقده الإجمالي للكتابين، التي قال فيها: «وغداً – ومستعد أن أراهن – إذا تُرجم الكتابان، أو روجعا، بشكل يضعهما أمام أعين الغرب، سيشير الغرب إلى كتاب سيد قطب ويقول: هؤلاء هم العرب يسيرون إلى الوراء!».

وقد أغفل بماذا سيشير الغرب إلى كتاب خالد محمد خالد. لا نعرف ماذا سيقول الغرب عنه؛ وذلك لأنه ضرب عن ذكره صفحاً، وطوى عنه كشحاً!

في التقديم الإجمالي لنقده للكتابين، كان أنيس فريحة قد قال عن الغرب: «والظاهر أنهم لا يحفلون كثيراً بما ندعيه من (إحياء) و(إشعاع) و(تقدم)، وغير ذلك من الألفاظ التي لا تخدعهم، فهم – وهذا مما يؤسف له – يرون مظاهر التأخر، ويغضون البصر عن مظاهر التجدد. فالرجعية والأمية، وباقي الأوضاع الشاذة في حقول الاقتصاد والسياسة، ماثلة للعيان، ويعرفون دخيلة العرب أحسن مما نعرفها نحن. ويزعم كثيرون منا أن هذه الأوضاع قائمة بفضل اتحاد المصالح الأجنبية مع الرجعية الوطنية».

لا جرم أن كتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد يحفل بما يدعيه الفكر العربي المعاصر لنفسه من صفات «الإشعاع» و«التقدمية» و«التجدد»، فلماذا افترض أن الغرب سيترجم هذا الكتاب أو سيراجعه، مع أن الغرب – كما قال – يغض البصر عن مظاهر التجدد في واقع العالم العربي، وينظر بمجامع عينه إلى مظاهر الرجعية فيه؟!

فالكتاب لا يدعو المصريين إلى الرجعية أو السير إلى الوراء. الكتاب لا يدعوهم هذه الدعوة بشهادة أنيس فريحة نفسه الذي قدّم الكتاب في نقده الإجمالي بأنه «يطلب قلب الأوضاع رأساً على عقب، والبدء من جديد. والجديد عنده اشتراكية خيّرة نيّرة تكفل الخير والعدل، وتأخذ بأي نظام من شأنه رفع الإنسان خلقاً وديناً ومادة».

الكتاب لقي احتفاء وحفاوة من قبل العلمانيين – بمختلف تياراتهم، وعلى رأسهم التيار الماركسي– في العالم العربي. وأنيس فريحة علماني ليبرالي، فلماذا حشره – وهو الكتاب «التقدمي» – مع كتاب «رجعي» في مساق واحد، وهو مرذول من الناحية المنهجية ومن الناحية الآيديولوجية، وهذا هو «التخبط» في المنهج وفي الآيديولوجيا؟

لقد حشره مع كتاب سيد قطب الرجعي «العدالة الاجتماعية في الإسلام»؛ لأن «من هنا نبدأ» کتاب ثوري، وثوري ثورية اشتراكية. وهذا يفصح عن أنه كان من متشددي اليمين السياسي والفكري في لبنان. فتشدده اليميني هو الذي أوقعه في هذا «التخبط» اللَّاإرادي.

أومأ أنيس فريحة إلى الماركسيين في لبنان وفي العالم العربي إيماءة غير مباشرة، وذلك من دون أن يذكرهم بالاسم، مبدياً تحفظه على تحليل شائع عندهم للتخلف في العالم العربي، حين قال: «ويزعم كثيرون منا أن هذه الأوضاع بفضل اتحاد المصالح الأجنبية مع الرجعية الوطنية».

لا يوجد في قاموس التحليل الماركسي «العالمثالثي» طبقة تحمل اسم «الرجعية الوطنية»، وكأني بأنيس فريحة كان يعني بها «الطبقة البرجوازية الوطنية»، لكنه أخطأ في الإتيان باسمها الصحيح.

الخطأ الثاني أن هذه الطبقة عند أصحاب هذا التحليل – على شدة نقدهم لها وحديثهم المكرر عن إخفاقها وفشلها – لا توصم بـ«الرجعية»؛ لأنها – كما يرون – كان لها دور في التحرر الوطني على صعيد السياسة والاقتصاد والفكر.

هناك اختلاف داخلي عند هؤلاء حول وجودها؛ فالذي يذكر منهم وجودها يرى أنها ما هي إلا «برجوازية محلية»، وذلك بحسب اسمها القديم في التصنيف الماركسي الأصلي، فيجردها من وصفها بالوطنية. وهناك من يقر بوجودها، لكنه لا يثمّن دورها، بل لا يراها «برجوازية» بالمعنى الحقيقي لهذا التصنيف الطبقي، كما في أوروبا، التي أنجزت فيها هذه الطبقة هناك أكثر من ثورة بورجوازية، يقف على رأسها الثورة البرجوازية الفرنسية. وينظر إليها بوصفها خلفاً لسلف، وهي «البرجوازية الكولونيالية»؛ أبقت على علاقات الإنتاج كما كانت عند «البرجوازية الكولونيالية»، ولم تشأ أن تنفك عن تبعيتها للإمبريالية. هذا بعض من الجدل الماركسي الداخلي حول اسم «البورجوازية الوطنية».

إن التي توصم بـ«الرجعية» عند ماركسيي العالم الثالث، القائلين بوجود «البرجوازية الوطنية»، هي «الطبقة الكومبرادورية». فهذه الطبقة هي الطبقة القائم عملها التجاري على اتحاد مصالحها بالمصالح الاستعمارية والمصالح الأجنبية، فبحكم تحليلهم هي وكيل الرأسمال الأجنبي في السوق المحلية. وهذه الطبقة هي نقيض «الطبقة البرجوازية الوطنية»؛ فهي عندهم خائنة للوطن وعميلة للرأسمالية.

حددت هذا التحليل الماركسي بأنه «عالمثالثي»؛ ذلك لأن التنظير لهذين الاسمين: «البرجوازية الوطنية» و«البرجوازية الكومبرادورية» كان صاحبه ومن نظَّر فيه وله ماوتسي تونغ. وقد كان إطلاق هذين الاسمين من إضافاته النظرية في نظرية الطبقات الاجتماعية في الآيديولوجيا الماركسية. ومن الصين انطلقت وشاعت هذه الإضافة النظرية في بقية العالم الثالث.

ما افترضه أنيس فريحة تحققت منه الحالة الأولى، وهي أن الكتابين تُرجما إلى اللغة الإنجليزية، وصدرت ترجمتهما بهذه اللغة في كتابين عام 1953.

وما لم يكن يعلمه أنيس فريحة أنه حين نشر دراسته في مجلة «الأبحاث» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1950، كان يجري العمل على ترجمة كتاب سيد قطب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» إلى الإنجليزية.

في حاشية من كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» الصادر عام 1957، قال محمد البهي: «في سنة 1952 نصح أحد كبار موظفي وزارة التربية والتعليم لممثل (مجلس الثقافة الأميركي) بواشنطن، أثناء إقامة هذا الممثل بالقاهرة، في زيارة له لاختيار بعض الكتب العربية لنقلها إلى اللغة الإنجليزية، ترجمة (من هنا نبدأ)، وكتاب (الإسلام وأصول الحكم). والمشير المصري راعى في مشورته ما يحس به من رغبة لدى ضيفه، وميله إلى الكتب الإسلامية التي تعرض الإسلام في صورة المسيحية. فكتاب (الإسلام وأصول الحكم) أنكر صلة الإسلام بالحكم والحكومة، و(من هنا نبدأ) ردد هذه الأفكار في فصل منه تحت عنوان: (الحكومة القومية). فلما نُقل هذا الكتاب إلى الإنجليزية، تبين لـ(مجلس الثقافة الأميركي) ولقراء الإنجليزية أنه صورة من الدعاية الشيوعية!».

لعلم محمد البهي أن «المجلس الأميركي للجمعيات الثقافية» معني بمكافحة الشيوعية في العالم الثالث، ومن العالم الثالث مصر. هو يسخر من المجلس بأنه ترجم كتاباً يسارياً لخالد محمد خالد من دون أن يدري!

محمد البهي لا يجهل أن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، نال بترجمته إلى الإنجليزية، مع دراسة تمهيدية كان عنوانها «الإسلام والتجديد في مصر»، تشارلز آدامز درجة الدكتوراه من جامعة شيكاغو عام 1928، وطُبعت الرسالة في كتاب عام 1933. وهذا وجه من تدليس المثقف المطلع في المعلومات على المثقف والقارئ غير المطلع اطلاعاً تفصيلياً.

وهو يعلم أن رقم واحد في سلسلة تراجم المجلس، كان كتاب سيد قطب، وأن كتاب خالد محمد خالد اليساري شفع لترجمته ترجمة رد إسلامي إخواني عليه، قام به محمد الغزالي في كتابه «من هنا نعلم»، وصدر بالإنجليزية في نفس العام الذي صدرت فيه ترجمة كتاب سيد قطب وكتاب خالد محمد خالد إلى الإنجليزية، وهو عام 1953.

کتاب سيد قطب ترجمه جون ب. هاردي. وكتاب خالد محمد خالد، ورد الغزالي على هذا الكتاب، ترجمهما إسماعيل الفاروقي قبل سنوات عديدة من تحوله إلى الاتجاه الإسلامي أولاً، ثم استغراقه في لغوٍ وهذرٍ إنشائي اسمه «أسلمة العلوم».

أعود إلى أنيس فريحة، فأقول: إنه منذ ترجمة كتاب سيد قطب عام 1953 إلى حادثة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، لم يشر الدارسون الغربيون إلى أن أفكار سيد قطب أفكار رجعية، خطيرة ومدمرة. وللحديث بقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد