علي عبيد الهاملي
بأفول شمس اليوم الأخير من أيام عام 2025م، وبزوغ شمس اليوم الأول من أيام عام 2026م، نكون قد ودعنا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي، واستقبلنا الربع الثاني منه، وهي مناسبة تستحق التوقف عندها.
منذ بداية ربع القرن الأول هذا دخل العالم في حالة تسارع حاد، كأن التاريخ قرر أن يضغط أحداث عقود كاملة في ربع قرن واحد. فقد كانت الفترة الممتدة بين بداية عام 2001 ونهاية عام 2025 سلسلة من الزلازل السياسية والاقتصادية والعلمية التي ارتبطت برباط سببي، حتى بات من الصعب الفصل بينها أو النظر إليها كوقائع مستقلة.
في الغرب، كان الحادي عشر من سبتمبر 2001 لحظة تأسيسية لهذا التحول. وكانت مهاجمة برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك إعلاناً صريحاً عن دخول العالم مرحلة جديدة عنوانها الخوف وعدم اليقين.
في موازاة ذلك، كان الاقتصاد العالمي يعيش وهماً كبيراً؛ العولمة تتسع، والأسواق المالية تنتفخ، والاعتقاد السائد هو أن النظام الرأسمالي قادر على تصحيح نفسه بنفسه. لكن أزمة 2008 جاءت لتكسر هذا الوهم. سقطت بنوك عملاقة، وانهارت الثقة في النخب الاقتصادية، وبدأت الأسئلة الكبرى تُطرح. هنا تحديداً بدأت الشعبوية السياسية تجد تربتها الخصبة، وبدأ المزاج العام في الغرب يميل إلى الانغلاق، وهو ما سيتجسد لاحقاً في صعود اليمين القومي، من «بريكست» وحتى وصول الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض.
وفي الشرق كان الغليان مختلفاً. تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية انفجرت عن ثورات في بعض الدول العربية. بدا المشهد ملتبساً في البداية، ولكن سرعان ما اصطدم بواقع هشاشة الدولة الوطنية، وتدخلات الخارج، وصعود قوى أيديولوجية لم تؤمن بالدولة قدر ما سعت إلى اختطافها. هكذا تحوّلت الثورات إلى مسار من الفوضى في أكثر من بلد، ما جعل الإقليم العربي إحدى أبرز ساحات الصراع المفتوح في ربع القرن الأول هذا.
ثم جاءت جائحة كورونا لتكشف عورات النظام الدولي. توقفت الطائرات، أُغلقت المدن، وبدت البشرية عاجزة أمام فيروس لا يُرى بالعين المجردة. لكن المفارقة أن العلم، الذي بدا عاجزاً في البداية، عاد لينقذ العالم بسرعة غير مسبوقة؛ لقاحات طُوّرت في أشهر، وتقنيات خرجت من المختبرات إلى حياة الناس. في الوقت نفسه، أعادت الجائحة الاعتبار لدور الدولة، ووضعت العولمة في قفص الاتهام، وفتحت نقاشاً واسعاً حول الأمن الصحي والغذائي.
ولم تكد البشرية تلتقط أنفاسها، حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، لتعيد شبح الحرب الكبرى إلى أوروبا، وتربك أسواق الطاقة والغذاء، وتسرّع الانقسام الدولي بين معسكرات متنافسة. هذه الحرب لم تكن حدثاً عسكرياً فقط، بل لحظة مفصلية أكدت أن العالم يتجه إلى نظام دولي أقل تعاوناً وأكثر صدامية.
وسط كل هذا الاضطراب، كانت الثورة العلمية تمضي بثبات. الذكاء الاصطناعي، الذي كان حلماً في مطلع القرن، أصبح شريكاً في القرار والإنتاج والمعرفة. الفضاء عاد ميداناً للتنافس، ولكن بأدوات جديدة تقودها شركات خاصة. والاقتصاد الرقمي أعاد تعريف مفهوم القوة، بحيث لم تعد الجغرافيا وحدها تصنع النفوذ، بل البيانات والتكنولوجيا والابتكار.
خلاصة القول إن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لم يكن مجرد مرحلة انتقالية، بل كان إعادة تشكيل شاملة للعالم. السياسة فيه تخلّت عن كثير من يقينها، والاقتصاد عن كثير من استقراره، والعلم عن بطئه التقليدي. نحن اليوم أمام عالم أكثر تعقيداً وأقل ثقة، لكنه أوفر قدرة على التحول السريع.
ما الذي يحمله لنا الربع الثاني من القرن؟ هذا هو السؤال الأصعب.

