: آخر تحديث

اعتقال مادورو و"عقيدة مونرو" .. ترامب يعيد ترتيب الحديقة الخلفية

7
6
6

دونالد ترامب شخصية لا تخفي طموحاتها ولا أجنداتها، إذ قد يعلنها في تدوينة أو مكالمة أو تصريح أو أثناء مؤتمر صحافي..

لقد حدد برنامجه الانتخابي – اليميني – وحدد فريق عمله وجاهر بلائحة خصومه وأعدائه، ثم أعلنه النظام الديمقراطي الأمريكي رئيسا لولاية ثانية بأغلبية مريحة في الكونغرس… مع التذكير من الآن بالمعركة القانونية والفقهية المقبلة لتحديد أحقية دونالد ترامب في ولاية ثانية على اعتبار أن بين الولايتين كانت ولاية الديمقراطي جون بايدن..

لم يكن شعار “أمريكا أولا” أو شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” أو غيرهما من الشعارات التي رفعت أثناء الحملات الانتخابية… لم تكن هذه الشعارات لدغدغة مشاعر الناخب الأمريكي؛ بل كانت خارطة طريق أمريكية لتحديد معالم النظام العالمي وتجديد نخبه وأدبياته…

وصفه خصومه بـ”المجنون” بعد إعلانه الانسحاب من العديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية والقضائية العالمية، حيث اعتبرها تمتص جيوب الأمريكيين؛ آخرها إلغاء برنامج “الفود سناب”، وقبلها وقف برنامج المساعدات الخارجية USAID…

مع إدارة ترامب 2، أصبح المحللون ينتظرون مؤتمراته الصحافية بالمكتب البيضاوي وتسجيل لحظات إحراج أو ضعف الضيف أمام مرأى ومسمع أكبر منصات الإعلام العالمية…

مقابل كل هذا، رفع دونالد ترامب شعار السلام وإنهاء الحروب… وفعلها فعلا في أكثر من صراع من مناطق العالم الساخنة بإفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، حيث حددها في ثماني حروب وأعلن أنه يستحق نوبل للسلام في سنة 2025…

يقود ترامب مفاوضات دقيقة في ملف الحرب في أوكرانيا، وإنهاؤها سيكون إعلانا لبداية فعلية للنظام العالمي الجديد…

وكعادته، خرج، بمناسبة إعلان الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي في دجنبر 2025، مصرحا باعتناقه “عقيدة مونرو” نسبة للرئيس الأمريكي جميس مونرو سنة 1823 والتي حملت شعار “أمريكا للأمريكيين” وأمريكا بالنسبة لترامب تعني الأمريكيتين… لذلك، صعّد في ملف الديكتاتور الفنزويلي مادرور… وبعد حصاره في البحر والجو، جاء خبر اعتقاله وزوجته من غرفة نومه وحمله إلى الولايات المتحدة الأمريكية من لدن فرق مكافحة المخدرات DEA…

عندما نذكر “حادث مادورو” فإننا نستحضر بشكل أوتوماتيكي ملف كوبا وفيديل كاسترو وحادث صواريخ خليج الخنازير لسنة 1962 والأزمة النووية مع الاتحاد السوفياتي والهاتف الأحمر… وفي الوقت نفسه نستحضر أن كل من كوبا وفنزويلا شكلتا جزءا مهما من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة… لكن هناك تغييرات في معادلات الصراع بين سنتي 1962 و2026، وهناك أدوات تأثير جديدة وفعالة وتطور هائل في تكنولوجيا الاتصال والتواصل والرقمنة وتطور كبير في إدارة الصراعات..

لذلك، لاحظنا تغييرا نوعيا في معالجة ملف الديكتاتور مادورو، والقبض عليه وتسليمه إلى وكالة مكافحة المخدرات DEA في انتظار تحديد مصيره…!

حادث الاعتقال أخذ حيزا كبيرا في التحليلات بين الشرعية الدولية والسيادة الوطنية من جهة، وبين حق ترامب في حماية أمنه القومي وحدوده بلاده من المهاجرين وعصابات الاتجار في المخدرات ومساعدات مادورو للمنظمات الإرهابية الدولية المعروفة وتهديده للسلم الدولي..

إن عملية إعادة ترتيب ترامب للحديقة الخلفية (أي فنزويلا) يمكننا وضعها في خانة “عقيدة مونرو”.. وأنه لا يحق لمادورو تسهيل الطريق أمام خصومه التجاريين والسياسيين للاقتراب من الحدود الأمريكية عبر إبرام شراكات اقتصادية وتوقيع عقود تمويل الطاقة لدول كالصين مثلا لإخلالها بمعادلات التنافسية…

فاستراتيجية الأمن القومي تعني تنظيف الجوار الأمريكي من كل منافسيه، وتطبيق “عقيدة مونرو” يعني عدم السماح لغير أمريكا كقوة عسكرية واقتصادية كبيرة في الوجود في الأمريكيتين… ويزداد الأمر تعقيدا بالنسبة لمادرور من خلال تحالفه مع روسيا والصين وإيران وانخراطه في “مجموعة البريكس”، إذ يعني خلق جار غير مرغوب فيه وجار مزعج يهدد الأمن القومي الأمريكي على مستوى محاربة المخدرات أو الهجرة وعلى مستوى الاقتصاد والطاقة والمعادن النادرة..

لذلك، يمكننا اعتبار إلقاء القبض على مادورو وزوجته من غرفة نومه بالعاصمة كاركاس بشكل مهين يوم ثالث يناير من سنة 2026 هو “ضربة معلم”، إذ امتدت التهديدات بالمصير نفسه لمادرور إلى كل دول أمريكا اللاتينية وجزر الكرايبي؛ وفي مقدمتهم رئيس كولومبيا..

كما سيسهل من جهة سيطرة شركات البترول الأمريكية على التحكم في أكبر احتياطي عالمي للبترول بحوالي 303 مليارات برميل، وسيضعف من جهة أخرى مركز الشركات الأخرى سواء الصينية أو الهندية أو الروسية أو غيرها…

الجانب القوي الآخر من نهاية سيطرة الديكتاتور مادورو على السلطة في فنزويلا هو حماية “الدولار الأمريكي “، وكل ما يعنيه ذلك من حماية الأمن القومي والقدرة الشرائية الأمريكية والنظام المالي والبنكي والبورصات في العالم…. إذ عمل “نظام مادورو” وغيره في مجموعة البريكس على التشجيع بالأداء بغير الدولار الأمريكي فيما يخص عقود البترول أو تحديد سعر بورصة البترول والغاز…

وهذا سيسمح بظهور نظام أداء موازٍ وعملات صعبة جديدة تنافس الدولار الأمريكي، كاليوان الصيني أو الروبل الروسي؛ وهو ما يعني تهديدا جديدا لمنظمات البترول والطاقة كالأوبيك والأوبيب..

نقول “ضربة معلم” لأنه قلب موازين ومعادلات عديدة على مستوى “لعبة الأمم”، بعيدا عن الانخراط في سجالات قانونية وفقهية وإعلامية تعلوها حتما حماية المصالح الاستراتيجية والأمن القومي..

من جهة أخرى، فإن سيناريو إخراج مادورو غير المأسوف عليه من “النافذة” وبملابس النوم الداخلية سيشكل بلا شك زلزالا قويا داخل الجارة الجزائر والمرتزقة “البوليساريو”، إذ سيفقدون دعما ماليا بمليارات الدولار وأحد أوكار التآمر السياسي ضد الوحدة الترابية والوطنية.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد