: آخر تحديث

اتجاه المرحلة

14
13
12

عند توقيتٍ زمني يفرض ملامح مرحلة جديدة، ترسم السياسة اتجاهها بوصفها فعلًا واعيًا يعيد تنظيم المسار وترتيب الأولويات، مستدعيًا أدوات التوافق المؤسسي لاحتواء التعقيد ومنع انزلاق الخلاف. فالأزمات الممتدة تختبر قدرة الفكرة الوطنية والسياسة معًا على الصمود وبناء اتجاه يوازن بين الواقع واستقرارًا مستدامًا.

في هذا السياق، يأتي الإعلان عن عقد مؤتمر الرياض الشامل استجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، بوصفه خطوة سياسية تستهدف إعادة تنظيم المشهد من الداخل، عبر جمع المكونات الجنوبية على طاولة حوار واحدة في الرياض، والبحث في الحلول العادلة للقضية الجنوبية ضمن إطار الحل السياسي الشامل في اليمن. وهو إعلان يعكس إدراكًا متقدمًا بأن القضايا المؤجلة، حين تتراكم، تتحول إلى عوائق بنيوية أمام أي تسوية، وأن معالجتها لا تكون بالقفز فوقها، بل بإدراجها في صلب النقاش السياسي المنظم، بوصفها مدخلًا ضروريًا لإعادة بناء الثقة وإعادة تعريف الشراكة الوطنية.

القضية الجنوبية، كما يبرزها البيان، لا تطرح باعتبارها ملفًا طارئًا، بل كقضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية وسياسية متداخلة، لا يمكن فصلها عن السياق الوطني العام، ولا التعامل معها خارج رؤية شاملة تستوعب تعقيداتها وتربط بين المطالب المشروعة ومتطلبات الاستقرار وبناء الدولة. فالمسألة هنا لا تتعلق بصياغة حلول سريعة، بل بإعادة ضبط العلاقة بين الخصوصيات المحلية والمسار الوطني الجامع، على نحو يضمن معالجة الجذور وليس الاكتفاء بإدارة النتائج فقط.

وتكمن أهمية مؤتمر الرياض الشامل في كونه محاولة للانتقال من منطق إدارة التوترات إلى منطق تنظيمها سياسياً، فهو يفتح مساحة حوار يمني يمني، تدار فيها الخلافات ضمن إطار مؤسسي، ويتاح من خلالها للمكونات الجنوبية دوراً فاعلاً في صياغة تصور سياسي أكثر تماسكاً وقابلية للاستمرار، وبما يعزز فرص التوافق بوصفه قاعدة لأي تسوية قابلة للحياة.

ويتجسد موقف المملكة في رعاية هذا المسار بوصفه امتداداً لنهج سياسي ثابت، يقوم على دعم استقرار اليمن وتعزيز أمنه، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحلول المستدامة لا تفرض من الخارج، وأن دور الوسيط المسؤول يكمن في تهيئة البيئة السياسية للحوار، لا في صياغة نتائجه. فاحتضان الرياض لهذا المؤتمر يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الأزمة اليمنية، ولتشابك المصالح الإقليمية، ويؤكد أن الاستثمار في التوافق أقل كلفة وأكثر جدوى من ترك الأزمات مفتوحة على احتمالات التصعيد.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد